بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٠

ولله على من لزمه التكليف وعمه الجهل والتسويف، نعمة صغرت في جنبها النعم، وقسمة استحقرت عندها العطايا والقسم، إذ كانت تقدست أسماؤه، وتعالت كبرياؤه، وتكفل بقبولها من العباد، ووعدهم بالغفران بها يوم المعاد، وجعلها ممحاة لسيئاتهم ومنماة لعلوّ درجاتهم.

وأنزل في ذلك آيا موجبا لهم العفو عما كانوا من السيئات يعملون، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الشورى:25)، وكان فيما تفضل به عليهم في هذه الآية من القبول لتوباتهم، والعفو عما فرط من سيئاتهم، لهم كفاية ومقنع، ووقاية ومستمتع، في عفو الله عنهم فيما فعلوه، ومحو ما أتوه من الذنوب واكتدحوه، لأن اللفظ ونفس الآية المنزلة مجمل، وحكم الكبائر والصغائر فيها داخل، فقص لهم عز وجل في كتابه بما هو أقرب إلى رحمته، وأوسع في رجائهم لعفوه ومغفرته.

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:135) فذكر في هذه الآية جميع الفواحش، والظلم والإصرار، الذي هو رأس الإثم بما أتوه من ذلك، وارتكبوه على الخطأ والعمد، واجترحوه واختفيوه، ثم أتوا بالتوبة التي جعلها الله للذنوب كفارة، وللسيئات عطاء وقارة، ولمراقي الشرف أصلا وإمارة، ولنيل التحف من الله سفارة، وبها يلجئون إلى رحمة الله ورضوانه، ويسكنون في رحمة الله ودار أمانه.

أماطت عنهم أذى السيئات، وحطت ثقل الفواحش والمظالم المهلكات، وخطوا بها عند الله من سخطه وعقابه، وفازوا بفعلها من ناره وأليم عذابه، وكان لهم بما أنعم عليهم من هذه المواهبة كفاء عما خصهم ه في حكم كتبه، من قبول التوبة عما أوجب عليهم فيه الوعيد، والضعف واللعن والتخليد، والعذاب الدائم الشديد، وتضعيف العذاب لهم والإهانة به على التأبيد، من الشرك به، وقتل الذي نهى عن ارتكابه،

١٬٥١٩ / ٤٬٣٨٩