الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٩ولو أن رجلا بلى من القتل بما لا يحصى ذكره، من النفس التي حرم الله قتلها، ثم علم الله منه صدق النية والتوبة من ذلك، وعلم منه صدق الدينونة بالإنصاف من نفسه في جميع ذلك، ثم مات قبل أن يؤدي شيئا من ذلك على صدق هذه النية، وصدق التوبة إليه من كل معصية، لكان هذا وليا للمسلمين يدينون لله بولايته، ومن دان المسلمون بولايته على أمر، فهو سالم في ذلك الأمر من الهلكة في الآخرة، إن شاء الله.
وقد بلغنا عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله أنه قال في قوم أصابوا دماء وأموالا، ثم قال بعضهم لبعض: إنا أصبنا دماء وأموالا، وإنما أصبناها برأي، ولم نصبها بدين، وديننا فيها دين المسلمين، ثم قتلوا بعد هذا القول منهم من غير أن يعلم أنهم أدوا شيئا من الحق الذي يلزمهم في تلك الدماء وتلك الأموال.
فقال: إنهم في الولاية، وإذا عجز هذا القاتل للنفوس، والسالب للأموال عن أداء ذلك من قبل العدم والعسرة، والله يعلم منه صدق التوبة من جميع ذلك، وصدق الدينونة منه بالإنصاف من نفسه من جميع ما يلزمه من ذلك لم نره هالكا، وقد قال الله تعالى في أكل الربا: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280) فقد عذرهم الله تعالى في الدنيا من قبل العسرة، ومن عذره الله في الدنيا رجونا أن يعد بره في الآخرة إن شاء الله.
وأكلة الربا يستحقون الهلكة، كما قد استحق سفكة الدماء بغير حق، وقد قال الله عز وجل: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ (الإسراء:25).
وجاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، فيجب علينا وعلى جميع الناس، ممن كانت منه المعاصي وغيرها أن لا ييأس من رحمة الله.