بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٤

فأولى صاحب الإنابة بهذه الكرامة والزيادة عليها، وقيل علامة الإنابة الحياء من مولاك أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك، وقد وعد الله عز وجل أن يبشر المنيب من عباده لقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ (الزمر:17) الآية، قال:

أبصر الرشد فتاب … إذ علا الشيب الشبابا

والفتى يسهو فيلهو … فإذا شاب أنابا

واعلم أن الذنب شؤم لأن فيه المخالفة، ولو أن عبدا عمل ألف نافلة، والآخر لم يعمل شيئا إلا أنه ترك معصية واحدة، فإن هذا أفضل من الأول، لأنه أدى فريضة، وهو ترك معصية، وأتى بترك النافلة الفريضة في الفضيلة.

وقيل: كل سفلة يعمل الطاعة، ولكن الكريم من ترك المعاصي.

وقيل: عجبا ممن يحتمي من الطعام مخافة الداء، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار.

عن سفيان الثوري قال: ترك الذنوب أيسر من طلب التوبة.

وعن أحمد بن الحواري قال: بينما أنا في طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها، فرأيت رجلا قد خر مغشيا عليه، قلت: ما هذا؟ فقيل كان رجلا حاضر القلب، فسمع آية من كتاب الله عز وجل فخر مغشيا عليه، فقلت: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد:16).

١٬٥٤٣ / ٤٬٣٨٩