بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ٢٠٦

فأخبرته بذلك فوجد عليها وهجرها إذ فعلت ذلك، واتفق له خروج إلى الحج وخرجت معه فقيل: إنه لم يكلمها وكان مهاجرها في سفره ذلك كله على فعلتها حتى بلغا إلى مكة وشق ذلك عليها في هجرانه وعتبه عليها فأرسلت عليه عبد الله بن العباس وكان منه بموضع فاستعطفت عليها وسأله لها، ففي معنى الحديث أنه قال: إن هذه لم تتوكل على الله أو نحو هذا من قوله، وقرأ الآية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ فقال ابن عباس: أتم الآية، كأنه يقول: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (الطلاق:3). فأحسب أنه كان بعد هذا رجع جابر إليها وكان رضاه عنها.

مسألة: قلت لأبي سعيد: ما تقول فيمن كوى نفسه برأيه ما حاله؟ قال: معي أنه على معنى الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يلزمه معنى التوبة ولا يرجع إلى مثل ذلك، وأرجو أنه في بعض معاني القول أنه إذا كان يؤمن شر ذلك ويرجى خيره في معنى التعارف مما قد جرت به العادة لم يضق ذلك وكان ذلك كغيره من المعالجات بالأحداث في الأبدان من قطع العروق والفصد الذي في الأصل محجور في البدن مثله إلا لالتماس الصلاح بذلك، فإذا ثبتت الرخصة ولم يتفق على معنى التهم فأرجو أن لا يأثم في ذلك إذا أتاه على وجهه، قلت له: فالجرح الذي يتفجر بالنار ويكون مثل هذا أم لا؟ قال: معي أنه إذا كان في موضع غير مخوف وكان الجلد قد مات ورجا النفع بلا ضرر فأرجو أن لا بأس بذلك.

مسألة: عبد الله عن الأوزاعي قال: حدثني هارون بن ديات عن غزوان وأبي موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهما فكشفت جارية فنظر إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى فقرت فقال: إنك للخاطية إلى ما يضرك ولا ينفعك فلقي أبا موسى فسأله، فقال: ظلمت عينيك استغفر الله وتب إن لها أول نظرة وعليها ما بعد ذلك، فقال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه فلا يضحك حتى مات، قال غيره: معي أنه ليس له أن يلطم عينه ولا خده لطما يؤلمه لأن ذلك محجور عليه من نفسه على نفسه كما محجور على غيره لأن فيه الضرر فلا نفع وإنما يجوز له في بدنه ما يرجو نفعه ولو كان قد نظر نظرا يجوز له ولكن عليه التوبة والاستغفار والندم، ولا يجوز له أن يضر نفسه بشيء من الأشياء ولو حدا من حدود الله، ولا حقا من حقوق الله، يقيمه عليه الحاكم إذا صح عليه أو أقر به ولا مما يأخذه منه العباد، وعليه الاعتراف للعباد بحقوقهم التي تلزمه والتوبة إلى الله والستر على نفسه في جميع حقوق الله.

مسألة: ومن اكتوى بالنار فمات في يومه فعلى من كواه الدية خطأ على العاقلة كائنا صورته وزاد الكي فيها. والله أعلم.

٢٬٠٥٩ / ٤٬٣٨٩