بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٨

وفي رواية أخرى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الماء الطهور (1) لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه»، والاختلاف بين الناس في تأويل هذا الخبر، والاتفاق حجة والاختلاف منهم رأي، واتباع الحجة أولى من اتباع الرأي الذي ليس بحجة، والماء الطاهر هو المطهر باتفاق الأمة ماء السماء وماء البئر وماء العيون وماء البحر، إلا في قول عبد الله بن عمر وابن العاص في ماء البحر وحده، واتباع السنة أولى من قول عبد الله بن عمر، وابن العاص، ولما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - عن رجل سأله عن ماء البحر فقال: يا رسول الله إنا نركب على أدمات لنا وتحضرنا الصلاة وليس عندنا ماء إلا ماء لشفاهنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور ماؤه والحل ميتته» والأرماث(1) جمع رمث وهي الخشب المضموم بعضها إلى بعض، ويدل على ذلك قول جميل شعرا:

تمنيت من حبي بثينة أننا … على رمث في البحر ليس لنا وكر

وماء طاهر لا يجوز التطهر به للصلاة والماء المستعمل، والماء المضاف على صفة لا يعرف إلا بها مما لا يتميز منها ولا يقع عليه اسم ماء مطلق كنحو ماء الباقلا وماء الزعفران وماء الورد ونحو ذلك مما هو طاهر في نفسه غير مطهر إلا أحداثا لا تزول إلا به.

ومن الكتاب: قال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ (الفرقان:48)، فالطهور هو الذي يطهر الشيء وهو الفعول للطهارة، ولو تركنا الطاهر كنا نحكم بتطهير كلما لاقاه الماء الذي سماه الله طهورا، غير أن أدلة قامت في بعض المواضع فامتنعنا لذلك عند قيام الأدلة، وكل موضع تنازع المسلمون فيه فطهارته حاكمة بما قلنا، وقد تنازع المسلمون في القليل من الماء إذا حلته النجاسة فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا، فقال قوم: الماء نجس مع ارتفاع أعلام النجاسات، وقائلون: الماء الطاهر طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارات النجاسة، والقرآن قد ورد أن الماء طهور، فهذا الطاهر يوجب أن يكون القول قد طهر بغلبة الماء عليه مع ارتفاع أعلام التي حلت، وأن الله عز وجل قلّب عينه لأن الله جل وعلا يجعل الماء بولا والبول ماء، فالقائل إن الماء غير مطهر في هذا الموضع يحتاج إلى دليل، ودليل آخر

(1) وهو المشهور في كتب الحديث كما في أحمد وأبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري.

٢٬٣٥٥ / ٤٬٣٨٩