بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٩

أن الله عز وجل قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾، والطهور في لغة العرب هو الفعول للطهارة وهو الذي نعرفه منه تطهير الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحق هذا الاسم لأن الإنسان إذا عرف من عادته من غذائه المتعارف ومن شرابه المتعارف لم يسم أكولا ولا شروبا، وإنما يسمى أكولا إذا أكثر الأكل، ومن يسمى شروبا إذا كثر شربه فظاهر الآية أن الماء الذي سماه الله ماء طهورا إذا لاقى شيئا من النجاسات طهرها بتسميته إياه ماء طهورا، فالواجب إجراء العموم على ظاهره، إلا ما قام دليله.

ووجه آخر: أجمع المسلمون جميعا أن الماء قد يحكم بحكم الطهارة وإن حلته النجاسة ما لم يتغير له لون ولا طعم ولا رائحة، وإنما اختلفوا في الحدود والنهايات فالحدود لله تعالى، وليس لأحد من الأمة أن يضع حدا يوجب بوضعه في الشريعة حكما إلا أن يتولى وضع ذلك الحد كتاب ناطق أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن قال قائل: إن الماء لا تنجس عينه وإنما يمتنع من استعماله من طريق المجاورة، إذ لا يصل إلى استعماله إلا ومعه جز من النجاسات، لأن الماء لا ينجس عينه، لأن الماء جسم والبول جسم والأجسام لا تتداخل، وإنما تتجاوز، فلذلك قلنا: يقال لمن ذهب إلى هذا وجعله دليلا لنفسه، واعتمد عليه بمذهبه واعتقاده حجة لنفسه، أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قاض في فساد قولكم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه»، فخبر إنما تغير لونه أو طعمه فيحسه وليس للعقول مجال عند ورود الشرع، لأن المطهر للماء والمنجس له على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذ الطاهر والنجس اسمان شرعيان فالواجب علينا تسليم ما ورد الشرع به وبالله التوفيق.

ثم نقول له: هب أنا سلمنا لك ما زعمت فخبرنا عن حد هذه المجاورة ينتهي عن استعماله على ذلك الموضع وتمثيله ما هي؟ ونقول: خبرنا عن نقطة بول وقعت في البحر ما حد هذه المجاورة التي يمنع فيها؟ فإن قال حيث بلغت الحركة لأنا نتيقن أن النجاسة تسري غلى موضع الحركة، قيل له: لم تبين لنا شيئا، إذ الحركات مختلفة، فبين لنا إحدى هذه الحركات ما هي أحركة قوي أم ضعيف أم صغير أن كبير أم سقوط بعرة أو ما يكون في؟ فإن قال: ليست الحركة ما ذهب إليه، وإنما الحركة وقوع واقع فيه، قيل: المسألة قائمة لأنا نحتاج أن نعلم الواقع مأمور به صغيرا أم كبيرا؟ ونحتاج

٢٬٣٥٦ / ٤٬٣٨٩