بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٢٧

والله تعالى إنما أمره أن يتطهر بالماء دون غيره.

ومن الكتاب: وإذا كان عند إنسان ماء يخاف على نفسه استعماله من برد أو عطش يلحقه فيتلفه وهو محدث وقد أمر بالصلاة فلا يحل له أن يستعمله للطهارة، فإن استعمله لذلك كان عاصيا لربه، وكذلك المغتصب للماء فالسارق له أيضاً لأن الطهارة عبادة وفعلها ثواب يستحق من فعل تلك العبادة التي أمر بها، فإذا فعل ما نهي عنه كان فعله معصية، لا يكون طاعة ولا يثاب عليه فاعلها.

ومن الكتاب: وإذا كان عند رجل ماء واجتنب رجل وطهرت امرأة من حيضها ومات إنسان كان بعض أصحابنا يذهب إلى أنه يجود به على من شاء منهم، والنظر يوجب عندي أن يغسل به الميت أو يدفعه إلى من يغسله به، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أغسلوا أمواتكم»، وهو داخل في الغرض بالأمر، ولم يخاطب في الجنب والحائض بشيء، وإن كان هو الجنب فهو أولى به، وليس له دفعه إلى غيره لأنه مخاطب بالطهارة إذا كان قادرا عليها بالماء، وهو قادر على ذلك والله أعلم، وإن كان الماء للميت فهو أحق به وليس لأحد أن يأخذه لنفسه إلا أن يخاف على نفسه العطش فله إحياء نفسه ويضمن لورثته بالثمن في قول أصحابنا والله أعلم بعدل ذلك.

ومن الكتاب: اختلف أصحابنا فيمن نسي ماء في رحله وهو مسافر وحضرت الصلاة ولم يعلم به فيتمم وصلى، ثم وجد الماء وعلم به بعد فراغه من الصلاة، فقال بعضهم: عليه الإعادة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه.

الحجة لأصحاب هذا القول الأخير لأن الله تبارك وتعالى أوجب عليه التيمم عند عدم الماء لأنه علق التيمم بعدم الوجدان لا بعدم كون الماء، وقد لا يوجد الشيء وهو في موضعه، ولم يقل الله جل ذكره فإن لم يكن ماء فتيمموا، وإنما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ وقد يكون الشيء المطلوب في موضعه ولا يجده من يطلبه، فإذا لم يجده فقد حصل الشرط الذي به يجوز التيمم وصلى كان مصلياً كما أمر ولا إعادة عليه والله أعلم.

والحجة لأصحاب الرأي الأول أن العبادات إذا لزمت الأبدان فليس جهل وجود الماء بمسقط فرض ما وجب من فرض الصلاة، ذلك مثل رجل يحتلم فينسى الاحتلام ويتوضأ ويصلي فإذا علم بجنابته وجب عليه الإعادة وكانت غفلته ونسيانه لا يسقطان عنه ما وجب عليه من فرض الاغتسال، وكذلك الصغير إذا وجب في

٢٬٣٧٤ / ٤٬٣٨٩