بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٦١

وأما التيمم فيخرج عندي مخرج الوضوء إذا وقع موقعه حيث ينعقد التيمم، فإنما ينعقد التيمم عند عدم الماء وحضور المخاطبة وبلوغ الإجازة به في الحد الذي يكون مطهرا، فإذا وقع ذلك التيمم في هذا الحال خرج عندي مخرج الوضوء لثبوت نية المؤمن المتقدمة، وأنه لا يضيع عليه إذا وقع موقعه في موضعه.

مسألة: ومن جامع أبي محمد: والذي ينبغي للإنسان إذا أراد الوضوء للصلاة بأن يذكر اسم الله قبل أن يدخل يده في الماء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه»، والذكر قد يكون بالقلب فمن أراد بوضوئه لله تعالى أو لشيء مما يقرب إليه فقد ذكر اسم الله عليه، وهذا يدل عليه وعلى صحته قول النبي عليه السلام: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»، وإن كان بعض أصحابنا قد أطلق إجازة الطهارة بغير نية إذا أتى بصيغة الفعل المأمور بها وأثبتها له، وأظن أصحاب هذا القول يذهبون إلى أن الأمر بالنية من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته، ترغيباً لهم في نيل الثواب لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، فلما كان جار المسجد إذا صلى في غير المسجد مؤدياً لفرضه بإجماع الأمة، وكذلك عندهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا عليه وضوء لمن لم يذكر اسم الله»، إنما أراد به تضعيفاً لثوابه، فعندهم أن هذا من الرسول عليه السلام حث وترغيب لأمته فيما يشرف أعمالهم به.

وعندهم أيضاً أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات»، أنه عمل وإن لم تكن نية لأنه ليس في الخبر لا عمل إلا بنية، كما تقول العرب الرجل بعشيرته، المرء بقومه، والإنسان بنفسه، وإن لم تكن له عشيرة، وهذا على تأكيد الخبر وبالمجاز، والذي نختاره نحن أنه لا يكون متطهراً لوضوء صلاة أو لغسل إلا بنية وقصد؛ لأن الوضوء فريضة والفرائض لا تؤدى إلا بالإرادات وصحة العزائم ونحوها.

قال خلف بن زياد البحراني في سيرته: عندما أمر به وحث عليه، قال: وليحضركم مع ذلك نياتكم بابتغاء الوسيلة إليه والنجاة عنده في أداء حقوقه واتقاء نهيه، لأن الله عز وجل لا يقبل الطاعة ممن أطاعه إلا على ذلك من النية، لأن كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده، فمحال أن يكون خارجاً منه إلا بأدائه، وليس بمؤد له من لم يقصد إلى أداء فرضه.

ومن الكتاب: ويستحب للمتطهر إذا أراد أن يغسل يده للطهارة من حدث ألا يدخلها في الماء حتى يغسلها ثلاثا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه

٢٬٤٠٨ / ٤٬٣٨٩