الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٦٢فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده».
وهذا عندنا على الندب لا على الفرض، ويدل على ذلك ما روي في خبر أنه قال عليه السلام: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، منه إشفاقا فإن تكن قد وقعت على موضع نجس من بدنه، وهذا كان قبل وجوب الاستنجاء بالماء.
وقد خالفنا في تأويل الخبر داود ومتبعوه وذهبوا إلى أن غسل اليد على الفرض بظاهر الخبر، وحكم الجنب والحائض والنفساء حكم الطاهر في الاسم، لما روي أن حذيفة بن اليمان لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم عليه فمد يده ليصافحه فقبضها وقال: إني جنب، فقال النبي عليه السلام: «المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً»، أو قال: «المؤمن لا يكون نجساً».
مسألة: ومن الكتاب قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وأجمع المسلمون أن التطهر عبادة تعبد الله بها خلقه فلا تجوز إلا بنية، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فإذا لم تكن له نية لم يكن له إلا ذلك العمل.
ووجه آخر: وهو أن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا انضافت إليه النية، الدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (الإنسان: 8 - 9)، مدحهم الله تعالى بإنفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد لله عز وجل، وقال في موضع آخر: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ﴾ (النساء:38)، فذمهم بالإنفاق لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره بها، وقد استوى الإنفاق في الظاهر وهذا منفق وذلك منفق حصل أحدهما طائعاً للإخلاص والقصد إلى الله عز وجل، والآخر عاصيا لتعريه من هذا الحال مع تساويهما في الإنفاق.
وأيضا فإن الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم الصائم، ولا يسمى مطيعاً لأنه تعرى مع الإمساك من النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الإمساك نية من الليل لسمي مطيعا، واستحق اسم صائم، وإذا كان هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعاً، وإنما