بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٦٣

يسمى المطيع مطيعاً أن يرقب أمر المطاع فيأتيه امتثالاً لأمره فحينئذ يستحق اسم مطيع.

وقد أجاز أبو حنيفة الطهارة بغير نية مع إجازته للقياس والقول به، والأولى لمن قال بالقياس ألا يجيز الطهارة إلا بالنية، لأن التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز إلا بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولا لا يجوز إلا بنية وإذا كان هكذا وجب إحضار النية للطهارة وسائر العبادات بظواهر الأدلة التي ذكرناها وبالله التوفيق.

فإن احتج محتج لأبي حنيفة فقال: إن التيمم قد نزل النص فيه بالنية والطهارة بالماء معراة من هذا التقييد، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾، والتيمم هو القصد في اللغة.

قيل له: فيما أوردت دلالة صحة على مقالتك وذلك أن الله تعالى أوجب عليه قصد التراب، وليس في أمره لقصد التراب دلالة أن التيمم يفتقر إلى النية، لأن الإنسان قد يقصد التراب، فإذا وجده وصار إليه يأتي بالتيمم بغير نية، ولو كان أمره جل وتعالى بقصد التراب لوجوب النية في التيمم أمره بطلب الماء يوجب النية للطهارة، فإن قال: إن الأمر بطلب الماء لا يوجب النية، قيل له: وكذلك أيضاً أمره بقصد التراب لا يوجب النية وبالله التوفيق.

ومن الكتاب: والواجب على الإنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابه لها هو ألا ينقلها عمن عمل هو فيه إلى غيره.

وأما عروب النية من غير أن يكون هو الناقل لها ولا يقدح في الاستصحاب، فلا أعلم لذلك خلافا والله أعلم وبه التوفيق.

ومن الكتاب: وإذا نوى فتوضأ ثم عزبت نيته أجزته نية واحدة ما لم ينقلها فيحدث مع الفعل أنه يتبرد بالماء أو يتنظف به، فإن قال قائل: إذا كان الوضوء عندكم لا يجزي إلا بنية فلم لا يحتاج الإنسان إلى دوام النية إلى أن يفرغ من الفعل الذي له ينوي، وما الفرق الذي بين أوله وآخره؟ فقيل: إذا نوى الطهارة في حال مباشرة الفعل لها فليس عليه ذكر ذلك إلى أن يفرغ منها لأن يتوقى النسيان إلى أن يفرغ منها من الفرض، لا يمكن ويلحق فيه مشقة، ألا ترى أن الصوم لا يجزي إلا بنية ثم ينسى صاحبه وينام، ويأكل ناسياً ولا يضره ذلك.

٢٬٤١٠ / ٤٬٣٨٩