بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٧٦

وكان من استعجل لا تجزئه الواحدة وإن زاد على الثنتين فهو مخالف، وأما قوله ثلاث عليهن الوضوء لا أدري ما أراد به أنه واجب عليه أو غيره واجب، وفي حال الاستعجال وغير الاستعجال وعند الأمن والخوف وكثرة الماء وقلته أو غير ذلك والله أعلم بوجه مراده.

وأما قوله: من توضأ واحدة فأحكم بها الوضوء وصلى فصلاته تامة ولو لم يكن ماؤه قليلا أن يؤمر بذلك ولا يجب عليه إلا من عذر يدل على ما قلناه، فلا أعرف وجه هذا الكلام لأنه قال لأن الفعل به جائز والصلاة به تامة، وأنه لا يؤمر به مع جوازه وتمام الصلاة به إلا أن يكون من عذر، فالعذر إنما يجب لمن يكن له الفعل المأمور به مع جوازه، فإذا وجد العذر أن يقع ما يوجب بوجوب الفعل، والله أعلم.

ومن الكتاب ومن جامع ابن جعفر: كثرة الوضوء من الشيطان، فإن أراد بقوله كثرته من الشيطان أنه يحدث لكل صلاة تطهراً ويحتاط عند كل شيء تطهرا مبتدأ أو يفعل ذلك قربةً إلى الله، فليس هذا من عمل الشيطان، بل يجب أن يكون لطيفة وقعت له من الرحمن، وإن أراد كثرة الوضوء أنه يقيم في الماء ويردد على العضو الواحد الماء الكثير ليعلم أنه قد أجرى عليه مرة واحدة، فهذا يجوز أن يكون بأمر الشيطان ليؤذيه بذلك ويقطعه عن طاعات أخبر بفعلها لو خالفه وربما أدى ذلك إلى تضييع الصلاة أو فرائض غيرها، والله أعلم.

مسألة: ومن جامع أبي محمد: اختلف الناس في غسل الأعضاء فقال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخر ذكره في تلاوة الآية، وقال بعضهم: لا يجوز إلا على الترتيب الذي ذكره في التلاوة، وذهب أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير ما لم يقصد المتطهر بذلك الفعل مخالفة السنة.

والنظر عندي يوجب أن يكون على الترتيب الذي ذكر في الآية لأن قول الله عز وجل: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، قالوا: هاهنا واو النسق، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «على الصفا ابدأوا بما بدأ الله به»، فدلنا بسنته عليه السلام على أن فعل ذلك يكون متوالياً فإن عارض معارض بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج:29)، فقال: أرأيت لو قدم الطواف أو أتى الأول من المذكور في الآية، أليس كان جائزاً فما أنكرتم أن يكون هذا مثله؟ يقال له: إن الذي عرفت به لا يلزم، وذلك أن المذكور هاهنا فرض فلا بأس بتقديم بعضه على بعض لأن

٢٬٤٢٣ / ٤٬٣٨٩