بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٧٧

الطواف بالبيت فرض، فالواجب تعجيله، فإن أخر ما ليس بفرض مما ليس له وقت معلوم، فلا بأس بذلك، فإن احتج محتج بقول الله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران:43)، فقال: أليس هي مأمورة بالسجود قبل الركوع، وعليها الركوع قبل السجود، وإن كان ذكر السجود هو المتقدم؟ قيل له: الانفصال من ذلك قريباً إن شاء الله، وذلك أن التعبد كان لمريم عليها السلام خاصة في خاصة نفسها، فكان ذلك التعبد لأهل ذلك العصر، والتعبد علينا خلافه لأن الله جل ذكره قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (الحج:77).

ووجه آخر: من الدليل أن العرب تسمي الركوع سجوداً والسجود ركوعاً وهو ما قال الله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ (ص:24)، فالركوع هاهنا السجود أي خر ساجداً، وكذلك قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أي اسجدي مع الساجدين والله أعلم.

والعرب تقول للشيخ إذا انحنى من الكبر سجد، وتقول للنخل إذا مالت نخل سواجد، وسجد الجمل إذا خفض رأسه وهو معروف في اللغة، ويدل على ذلك قول لبيد:

أليس ورائي إن تراخت منيتي

أخبر أخبار القرون التي مضت … لزوم العصا تحني عليها الأصابع

أدب كأني كلما قمت راكع

والعرب تسمي السجود ركوعاً والركوع سجوداً.

ومن الكتاب: والمستحب للمتوضئ للصلاة أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا لكل عضو مأمور به، فإن توضأ واحدة فهو الغرض إذا عم الجارحة بها، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ واحدة ثم قال: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به»، ثم ثنى فقال: «من ضاعف ضاعف الله له»، ثم أعاد الثالثة ثم قال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي».

ومن الكتاب: وأكره أن يكون الوضوء متفرقاً لأن من نقل عنه كيفية الوضوء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق وضوءه، ولا أعلم أحداً منهم فرق الوضوء إلا في موضع واحد، وقوله عليه السلام: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به»، مع فعله في موضع واحد، يدل على ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقتدى به في فعله وقوله، ومن زعم أن تفرقة الوضوء جائزة صعب عليه إقامة الدليل، وأوجب الله تعالى الطهارة على

٢٬٤٢٤ / ٤٬٣٨٩