الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٩٥مسألة: ومن جامع أبي محمد: وحد الوجه المفترض غسله من أول منابت شعر الرأس إلى أصل الأذن، ومما أقبل من الوجه إلى الذقن، الدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ (البقرة:144) الآية، فالوجه في لغة العرب ما واجه الشيء، فإن قال قائل: فإن مقدم الأذنين مواجه لهما، قيل له: الأذن وإن واجه بها الإنسان فلا يعرفها الناس وجها ولو كانت وجها لأنها مما يواجه به لكان الصدر أيضا يجب غسله مع الوجه لأنه يواجه به.
مسألة: ومن الكتاب: والوجه ما واجه به الإنسان لأن العرب لا تعقل الوجه إلا ما ظهر لها وواجهها، وإنما خوطبت بما تعرفه في لغتها وليس انكشاف الشعر من مواضعه بزائد في طهارته وغسل مواضع اللحية لأنه مواجه به إذا لم يكن هنالك شعر، فإذا ظهر فيه شعر ستره ولا يمكن وصول الماء إليه إلا بماء جديد وذلك شديد أو غيره شديد لم يجب غسله، لأن اسم غسل قد زال عنه.
وليس يصح عندي ما قاله بعض أصحابنا في إيجاب تخليل اللحية ولا قول من أمر بذلك استحبابا ومن فعله فهو عندي غير ملوم، ومن تركه فليس بمأثوم، ولا أعلم اختلافا بين أحد من الناس أن الوجه الذي أمر الله بغسله بالماء هو الوجه الذي أمر بمسحه بالصعيد، ولا أعلم خلافاً أن المتطهر بالصعيد لا يجب عليه تخليل لحيته ولا يؤمر بذلك استحبابا، واتفاقهم على أن تاركه مؤديا لفرض ماسحا لجميع وجهه دليل على أن ذلك اسم الوجه غير لاحق بالمواضع التي يواريها شعره.
مسألة: وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى الذقن إلى الأذنين سواء إن كان المتطهر ذا لحية أو بدون لحية والمنشأ داخل في الوجه وهو البياض الذي بين العارض والأذن، وليس عليه إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية، الدليل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «توضأ واحدة واحدة»، وليس في وسع الإنسان بطاقته إيصال الماء إلى أصول الشعر إذا كان كثيفا بمرة واحدة، فإن قال قائل: يلاقي وسعه أن يبتل البلة إلى أصول الشعر، قيل له: هذا دعوى تدعيه والمشاهدة خلافه، ولو كان الأمر على ما ذكرت لم يكن لك فيه دلالة لأن الموصل البلة إلى أصول الشعر لا يسمى غاسلا، وإنما يسمى ماسحا والوجه آخذ فيه الغسل لا المسح، وإن بطل أن يسمى غاسلا فالمسح غير واجب في الوجه إذ الغسل معنى والمسح غيره ويدل على ذلك تفرقة الله جل وعلا بين الغسل والمسح فجعل محل الغسل وجها ومحل المسح رأسا، وإذا كان هذا هكذا فأكثر ما في
الباب أن يسمى ماسحا عند إيصاله البلة إلى أصول الشعر