بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١١٥

الصحابة بالنصب والخفض، فالخفض يوجب المسح لأنه معطوف به على الرأس، والنصب يوجب الغسل لأنه معطوف به على الوجه واليدين.

وأجمع الكل على أن القراءتين صحيحتان فصارتا بمثابة الآيتين، والآيتان إذا وردتا ولم يكن في واحدة دفعا للأخرى وأمكن استعمالهما، وجب إتيان ما تضمنتا، وإذا كان هذا هكذا فالواجب أن يأتي المتوضئ بغسل يشتمل على مسح ليكون في ذلك استعمال القراءتين، فإن قال قائل: أما ما ذكر من الخفض لا يوجب مسحا، ألا ترى أن العرب قد تكلموا بمثل هذا، يقول قائلهم: تقلدت سيفا ورمحا وأكلت خبزا ولبنا وعلفت الدابة تبنا وماء، ومعلوم أن الرمح لا يتقلد والماء لا يعلف واللبن لا يؤكل.

وإذا كان هذا هكذا كان قوله عز وجل: ﴿وَأَرجُلَكُمْ﴾ لا يوجب مسحا وإنما يوجب غسلا، ألا ترى إلى قول العرب جحر ضب خربٍ فخفض من طريق المجاورة لأنه معطوف على ما يقتضي في الحكم، قيل له: لسناً ننكر أن نرد هذه اللفظة في باب العطف فلا يراد بها أن يكون حكمها ما عطف عليها عند قيام الدلالة وإنما يُنقل ذلك عند الضرورات، فلو أمكن لنا لتقلدنا الرمح ولعلفنا الدواب الأمواه لم ينقل عن موضع العطف، نقل ذلك ضرورة وليس بمستنكر أن يرى من يمسح الرجلين إذ ذلك جائز فيهما بحكم المعطوف، أن يكون على ما تقدم من المذكور، وأن يكون حكمه حكمه، ألا ترى إذا قال العربي ضربت زيداً وعمرا فالضرب ممكن فيهما، يوجب أن يحكم أنهما مضروبان، وإن كانت اللغة يقال ضربت زيدا وعمرا أكرمت لأن الظاهر من اللفظ ما قلناه، وإن كان ذلك كذلك وجب على المتوضئ أن يأتي بغسل يشتمل على مسح لا يجزي أحدهما عن الآخر بموجب القراءتين والله أعلم.

مسألة: ومن جامع ابن جعفر: ويخلل بين أصابع يديه ورجليه.

ومن الكتاب: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أشربوا أعينكم الماء لعلها لا ترى ناراً حامية، وخللوا بين أصابعكم قبل أن تخللها النار»، وفي نسخة قيل: «أن تخلل من نار».

مسألة: ومن غيره: وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من النار يوم القيامة»، وبلغنا أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى عائشة

٢٬٤٦٢ / ٤٬٣٨٩