بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ٢٦

الغسل والوضوء، وهذا دليل أن مماسسة الماء لبشرة الجنب إذا ابتل يقوم مقام الغسل ويجزيه، وقد يوجد نحو هذا مؤكدا.

وإذا ثبت في الغسل وهو فريضة فليس يعيد أن يثبت في الوضوء ومثله لا بلوغ الماء إلى البدن موجب للطهارة، لأنه طهور، ومعنى الطهور لأنه مطهر، فبلوغ الماء الطهور إلى البدن الذي ليس فيه نجاسة، تبقى في الاعتبار بعد بلوغه، وإنما الغسل فيه تعبد للوضوء وغسل جنابة أو حيض، أو نجاسة لا تبقى.

مسألة: ومن الكتاب المضاف إلى أبي جابر محمد بن جعفر، والغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله تبارك وتعالى، لا عذر لمن جهلها وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة، وقال غيره: معي أنه لا يختلف في لزوم فرض الغسل من الجنابة، وثبوت فرضه في كتاب الله تبارك وتعالى، قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، بعد أمره تبارك وتعالى بالوضوء للصلاة، وكان أمره بالتطهر من الجنابة فرضاً ثابتاً، غير معنى ثبوت فرض الوضوء، وكذلك قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (النساء:43)، فثبت لزوم الغسل من الجنابة من كتاب الله نصا ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرا وفعلا، وثبت في معاني الاتفاق من قول الأمة من جميع أهل القبلة لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، وهي أمانة كما قال، ومعنى الأمانة في ذلك أن العبد مؤتمن عليها فيما بينه وبين نفسه، ليست من ظواهر الأعمال التي يطلع عليها في عامة الأحوال غيره وإن كان الدين كله أمانة لله تبارك وتعالى يسأل العبد عنه كله وما لزمه وخصه وجوبه فإنه يشبه ما يكون العمل به ظاهرا من الطاعة، ويظهر على العباد، وتركه ظاهرا مما يظهر على العباد فيكاد من لا يعمل ذلك لله باعتقاد صدق ونية حق، وعمل ذلك على وجه الموافقة للعباد ورجاء الموافقة لهم، وخوفا منه على نفسه من عقوبات الله من العباد، وهذه الأمانة هي في سرائره التي لا يكاد أن يعمل بوجوبها عليه ولا بأدائه لها فكانت من سرائر أمانة الله في دينه على العبد، وقد قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوضوء للصلاة من السرائر»، والوضوء يكاد أن يكون أظهر وأشهر من أفعال العباد في عامة أحواله في تعاهده له وجوبه عليه في كثير من أحواله، فإذا ثبت أنه من السرائر، كان الغسل من الجنابة أولى، لأنه أبعد من الظهور في

علم وجوب ذلك وتأديته من العبد.

ومنه فكان ذلك من الأمانات والسرائر، وأما قوله: لا عذر لمن جهلها فإنه

٢٬٥٨٦ / ٤٬٣٨٩