بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ٢٧

يخرج في معاني القول أنه لا عذر لمن جهلها، إلا أن يكون يجهل العمل بها وهو قادر على العلم لها وطلب عملها، فلا يطلب علم ذلك مع جهله له ولا يعمل به، ولا يعتقد طلب علم ذلك حتى ينقضي وقت صلاة حاضرة مما يلزم أداءها بالطهارة، أو يصليها بغير طهارة، وينقضي وقتها على ذلك، أو يترك العمل بها وتأديتها لجهله بذلك، وهو يقدر على علم ذلك.

وفي بعض ما قيل إنه إذا حضر وقت العمل بها لم يسعه إلا علم وجوبها، والعمل بها بعد العلم بوجوبها، وفي بعض القول أنه إذا عمل بها قصداً منه إلى طاعة الله بها، أو عبادة الله، أو عمل بها في جملة ما هو معتقد للطاعة لله، جاز له ذلك وكان معذورا من علم لزومها، وكذلك الصلاة على هذا والوضوء للصلاة، فالقول في ذلك على حسب هذا.

ومن جامع ابن جعفر: والغسل من الجنابة فريضة من كتاب الله عز وجل لا عذر لمن جهلها وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة، قال أبو محمد: أظنه أراد بقوله غسل الجنابة فريضة في كتاب الله، أنه عبادة كسائر العبادات التي تعبد الله بها عباده في كتابه لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، أي اغتسلوا، وقوله: لا عذر لمن جهلها، أنه من علم بجنابته فجهل أن عليه الاغتسال منها أنه لا عذر له بذلك عند الله.

إذا كان تلاوة القرآن تطرق سمعه بأمر الاغتسال، والاغتسال من تفسير ما أمر به في الجملة، وهو ممكن من السؤال، والمفسرون موجودون، وقوله: إنها أمانة أي أنه ينفرد بفعلها، ولا خصم له فيها كالمؤتمن على الأمانة، ينفرد بحفظها وهو مصدق في أدائها وضياعها فشبهها بالأمانة من هذا الوجه، على جهة المجاز والتوسعة، والله أعلم.

وأما قوله: يسأل عنها العبد يوم القيامة، فإنه يسأل عنها يوم القيامة كما يسأل عن الصلاة وغيرها من سائر العبادات إن كان أداها بحقها أو قصر فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب:8)، فأخبر أنه يسأل المطيعين، فمن صدق في فعله أو قوله فيما كلفه دليل على أن من لم يصدق في فعله وقوله أولى بأن يسأل كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من يسيء الملكة»، وملعون من ضار مسلما أو غيره لا يدل على سقوط اللعنة عمن ظلم غير مؤمن، وكما قال جل ذكره في

٢٬٥٨٧ / ٤٬٣٨٩