بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ٢٨

الوالدين: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ (الإسراء:23)، لا يدل على سقوط الوعيد عنه إذا أجاعهما أو ضربهما، بل النهي له أن يقل لهما أف يدل على ما كان فوق ذلك من الأذى لهما أن النهي أولى أن يلحقه، وأن الوعيد له على ذلك، وكذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي: رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ ﴿التوبة:36﴾، فدل على إباحة الظلم في غير هذه الأربعة الأشهر المذكورة من الشهود والله أعلم.

ومن جامع ابن جعفر: وقيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يجزي الغسل من الجنابة صاع من ماء»، قال أبو محمدك أما قوله، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يجزي للغسل من الجنابة صاع من ماء» فهذا خبر لم أحفظه والذي جاءت الأخبار ونقلته جملة الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بمد من ماء، واغتسل من الجنابة بصاع، هكذا جاءت الأخبار، فإن كان ذهب ابن جعفر إلى ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله فهو أمر به فغلط من التأويل، لأن الرواية عنه عليه السلام أنه قال: يجزي الصاع غير الرواية عنه أنه اجتزى بصاع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وفي الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

وأما الزبير بن العوام فإنه قال: والله ما سمعت النبي يقول متعمداً، وإنما قال من كذب عليّ تبوأ مقعده من النار، والكذب هو الإخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما هو به، فالواجب على المسلم أن يتورع عند رفع الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن الإخبار عن أفعاله، وأن يقل كل شيء منه على صفته ولفظه، وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يظن فيه أنه يأمر بالصاع لكل من لزمه الاغتسال مع علمه باختلاف أحوال الناس، وفيهم من يحسن الاقتصاد في صب الماء، وفيهم من درايته بذلك أقل، وفيهم قليل البدن، وفيهم غليظ البدن، وفيهم من عليه الشعر الكثير، وفيهم الأجرد، ومن لا شعر له على رأسه، وفيهم النساء، وقد روي من عائشة أنها قالت: اغتسلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاعين ونصف، كنا نتنازع الماء من إناء واحد، كل واحد منا يقول لصاحبه: إبق لي فهذا يدل على أن الماء الذي يتطهر به غير موقت مقداره ولو كان مؤقتا لكان المتجاوز لذلك مخالفا لسنة الرسول عليه السلام، والله أعلم.

٢٬٥٨٨ / ٤٬٣٨٩