الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٢٠٠وقتها فلم يجد ماء ولا صعيدا فإن عليه الصلاة وليس عجزه عن جود ما يتطهر به لها سقط عنه فرضها، كما قال بعض مخالفينا، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقبل صلاة بغير طهور»، واعتمد على ظاهر الخبر ونفى أن تكون الصلاة مقبولة إذا لم تكن طهارة واحتج أن الله جل ذكره لا يكلف الإنسان صلاة غير مقبولة، وهذا عندنا أنه لمن قدر على الطهارة، والدليل على ذلك أن الصلاة قد وجبت بقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾، وقد تيقنا ثبوتها، وما تيقنا ثبوته فلا نزيله إلا بدلالة، والخبر الذي تحتج به محتمل ألا يقبل صلاة بغير طهور ممن يقدر عليه، فإذا كان الاحتمال واقعا لم ينتقل حتى تيقناه، فإن قال: وإن من شأننا التعلق بالعموم والخصوص ولا يزيل الطاهر لمن يحتمل من الخصوص إلا بدلالة، قيل له: والآية أيضا محتملة أن تكون وأقيموا الصلاة إن كنتم طاهرين فقد تعلق كل منا بعموم، واحتمل قول مخالفينا التخصيص ومن أمر بفعل شيئين فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه، وقد أمر بالطهارة والصلاة فعجز عن الطهارة لا يسقط عنه فرض الصلاة، والله أعلم.
ألا ترى إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، وهذا مستطيع للصلاة معذور عن الطهارة ووجدت ابن جعفر يذكر في الجامع أن عليه أن ينوي التيمم ويصلي إذا لم يجد ماء ولا ترابا فلا أعرف وجه قوله في هذا، فإن كان قولا لأحد من علمائنا فسواء إن كان من طريق الإيجاب والاستحباب جاء الأمر بالنية للطهارة، فيجب أن يكون منويا للطهارة بالماء إلا أن التيمم بدل عن الماء والله أعلم.
واختلف أصحابنا فيه إذا وجد الماء وقد خرج الوقت، فقال بعضهم: عليه قضاء تلك الصلاة لأنه صلاها بغير طهارة، والحجة لأصحاب هذا الرأي إنما خص بوقت فخروج الوقت لم يسقطه إلا فعله أو بدلا منه، ألا ترى إلى النائم والناسي خروج الوقت لم يسقط عنهما فرض الصلاة، فإن قال قائل: إن النائم والناسي إنما وجب عليهما بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولولا ذلك لكان سبيله ما لم يرد به فيه وجوب فرض والله جل وعلا أن يفرق بين أحكام المتشابهات، قيل له: قد رأينا من جعل له حكم الإفطار من صومه لعجزه عن البدل وإن خرج الوقت بل القضاء يجب عليه مع القدرة، أحد أدلة من قال بإيجاب البدل عليه إذا وجد الماء وإن خرج الوقت والله أعلم بالأعدل من القولين.