بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء العاشر

الجزء ١٠ · صفحة ٩٤

* وذلك أن قوله -عليه السلام-: «لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة»، فهو بعد أن تغيب وارتفاعها هو ذهابها كما يقول الناس ارتفعت البركة، وارتفع القحط عن الناس، وارتفع الغلاء عن المسلمين، وهذا يبين معنى الخبر الذي رواه أصحابنا ويؤيده ويدل عليه ما رواه عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس»، والله أعلم.

وأما ما روي أن عليا صلى بأصحابه في السفر صلاة العصر، ثم دخل فسطاطه فصلى ركعتين فهذا يدل على أنه صلى صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك الوقت ألا ترى أنه هو الذي روى الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس»، ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم نعلم بفساده أن يكون صحيحا وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من أصحابه علم بالخبر أو ببعض الأخبار، ولم يستقبوا في الكل علم ذلك الخير، أو لم يشهر بينهم.

وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاع بعض الأخبار واتصالها، أو قلة ضبط ناقليها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر ومنهم من ينسى من الخبر شيئا فيغير معناه أو يزيد فيه؛ ومنها ما ينتقل عن وجه القصص أو الفائدة أداب ولغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع، وكذلك اختلف الأخبار وأحكامها والله أعلم.

وقد روي عن عائشة بلغها أن أبا هريرة روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الشؤم في ثلاثة: الدابة والدار والخادم»، فقالت غلط أبو هريرة، دخل أبو هريرة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «لعن الله اليهود تقول إن الشؤم في ثلاثة»، فسمع آخر الخبر، ونحو ذلك ما روي عن أنس بن مالك في الحائض حين سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكمها، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة:222)، وكانت إذا حاضت عندهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وأخرجوها من البيت، وكانت عند أنس فيما أظن أن الحائض في حال حيضها نجسة حتى نزلت هذه الآية، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها في حال حيضها أنها كسائر النساء الطاهرات في حال الطهارة؛ ويدل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه

٢٬٨٧٠ / ٤٬٣٨٩