بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء العاشر

الجزء ١٠ · صفحة ١١٦

وخالف الرحمن؛ وإذا صلى في أرض مغتصبة فقد بارز ربه بمقامه بين يديه، إذ الله قد نهاه عن اللبث فيها وأمره أن لا يأتي الصلاة في بقعة نهاه عنها.

والصلاة على ضربين مع علمنا بهيئتها وصورتها.

فصلاة نهى عن إتيانها، وصلاة أمر بإتيانها.

فالتي نهاه عن إتيانها؛ هي التي فعلها في الأرض المغصوبة؛ لأن الله جل ذكره قال له: لا تصل هاهنا، فإذا وقع هذه الصلاة فقد أتى بصلاة منهي عنها ولا تكون هذه الصلاة المنهي عنها التي أمر بفعلها ولا تسقط هذه الصلاة التي نهى عنها فرض الصلاة المأمور بها، وتعبد بفعلها، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا فمحال أن تكون صلاة واحدة مأمور بها منهي عنها في حال واحدة، ألا ترى أن القيام والركوع والسجود منهي عن جميع ذلك في هذا المكان ويستحق العقاب عليه، والصلاة التي أمر بها هي التي تكسبه الثواب ويكون بها طائعا بفعل واحد والفعل الواحد من فاعل واحد على مكان واحد في وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وإن كان الخبر ثابتا والرد لا يقع في الفعل لأن الفعل لا يبغي وقتين وإنما يرد حكمه.

فإن قال قائل: إن الله جل اسمه أوجب أحكاما لوطء محرم وأثبت أموالا به وأنقل الأملاك بالبيعات المنهي عنها وأثبت الحدود بالسوط الذي عصبه الإمام فرددنا هذه الصلاة، وإن كان منهيا عن فعلها من غصب إلا ما ذكرناه من وطء وبيع وإقامة حد قياسا، قيل له: أما ما بعد شبهته عن غير شبهته، لأن من شأن القائسين أن لا يردوا أشياء إلى شيء إلا بعلة تجمع بينهما، ألا ترى أن الشافعي رد الأرز إلى البر، لأنه مأكول وإن كان الأرز غير مذكور في السنة عندما ذكرت تحريمه في باب الأكل والتفاضل في العلة عند الأكل، ورده أبو حنيفة إلى الموزونات والمكيلات إلى الستة الأشياء المنصوص عليها في باب التحريم عند التفاضل من طريق الوزن فخبرنا عن العلة الجامعة بين الصلاة والبيع ما هي والصلاة أصل والبيع أصل.

وليس من شأن القائسين أن يردوا أصلا إلى أصل، ومع ذلك فإنا نسوغك ذلك لعلة تسوغك وتسلمه لك فما العلة الجامعة بين هذين الأصلين فإن البيع الذي حكمنا به مجوز عند ورود النهي عنه وكذلك الصلاة مجوزة مع ورود النهي فيها؟ قيل له: وكأن العلة الجامعة بينهما هو النهي ومن شأنك أن العلة إذا لم تجر في

٢٬٨٩٢ / ٤٬٣٨٩