بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء العاشر

الجزء ١٠ · صفحة ١١٧

معلولاتها بطلت فتحتاج أن تجري النهي في كل شيء وتمضيه فلما كانت هاهنا أشياء منهي عنها لا يمضيها ويحكم بفسادها بطلت العلة، لأنها إذا لم تجر في معلولاتها بطلت، وعندي أن النهي عن بيع الصيد وعن أكله لا تجوز استباحتها لأجل النهي، وكذلك من عقد النكاح على المحرم ولا يجوز لأجل النهي ولا يصح شيء من ذلك.

ثم يقال له: ما الفصل بينك وبين من عارضك؟ فقال: البيع المنهي عنه على ضربين: فضرب مجاز وضرب يجاز، فإن جز ذلك أن ترد الصلاة إلى الضرب المنهي عنه وقد اخترته حكما ودينا لأن علتك النهي وعلته النهي ولما صرت أنت أولى بعلتك منه بعلته، ومن رد الصلاة إلى الصلاة أولى بمن ردها إلى البيع والمكان بالمكان أشبه، والسبب المانع بالسبب المانع أشبه، فلما قلت مع وافقك أن الصلاة على الأرض النجسة غير جائزة، لأن الله جل ذكره نهى المصلي أن يصلي عليها إذا كانت هنالك نجاسة وجعلت النهي دليلا لإبطال صلاته.

وكذلك قال أيضا في المكان الثاني: إن المنع ما دام قائما من رب البقعة فلا صلاة في البقعة ما دامت النجاسة قائمة، فإذا زال السبب المانع جاز للمصلي أن يصلي وزوال الشمس في الأرض النجسة وزوال السبب في الأرض التي لم يأذن ربها في الصلاة فيها وزوال المنع من شبه المكان بالمكان، والنهي بالنهي والسبب بالسبب أولى من رد الصلاة إلى البيع.

فإن قال: فإن الأرض المغصوبة قد أذن سيدها فيها بالصلاة فتجوز الصلاة فيها، قيل له: فإن وقع الإذن زال المنع، والعلة فيها المنع كما أن العلة في الأرض النجسة فتكون النجاسة فلا تعتل مما يزول بسببه على ما لم يزل بسببه.

ووجه آخر؛ إن أئمة العدل لا يوصفون بالغصب والإمام لا ينسب إليه ذلك، لأن الغاصب فاسق والأئمة لا يكونون فسقة، وكأنك قلت: إن إماما أخرج نفسه من الإمامة بالفسق لغصبه السوط، ألا ترى إلى قول الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ قال إبراهيم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيضا قال الله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:124)، فلم يجبه أن يجعل من ذريته إماما إذا كان ظالما.

وإذا أخرج نفسه من الإمامة بالإقدام على محارم الله صار رجلا من الرعية،

٢٬٨٩٣ / ٤٬٣٨٩