بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الحادي عشر

الجزء ١١ · صفحة ٢٥

والحرب ووقت المشقة، لم ينكر أن يكون الأذان يسقط في مثل الحال التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، يقال لمن احتج بهذا أن الفرض قد سقط بعضه، ولا يجب سقوطه كله إلا بنسخ ووجوب بدل منه، فإن قال: إن الصوم قد سقط في السفر كله فلا يفعل فلمَ أنكرت إلا أن يكون الأذان مثله؟ قيل: إن الصوم إذا سقط رجع إلى بدل، وكذلك فرض الطهارة بالماء يسقط عنه عدمه ويرجع فيه إلى بدل، وهو الصعيد، ولو كان الأذان فرضاً إذا سقط أعيد منه بدل، فلما لم يقل أحد بإيجاب بدل من الأذان دل على أن الأذان ليس بفرض، وأيضا إن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أوقات الصلاة وقال: «ما بين هذين الوقتين» ولو كان الأذان فرضاً لكان الاشتغال به يمنع من الوقت الأول الذي حده النبي صلى الله عليه وسلم من الوقت، فلم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حد للصلاة وقتاً؟ ثم إن الأذان فرض مع فرض الوقت الذي حده بها، فيكون وقتهما وقتا واحداً، فإن قال: لِمَ أنكرت أن يكون ما ذكرت لا يمنع من القول بفرض الأذان؟ وإنما لما كان من أعمال الصلاة لم ينكر أن يكون لها وقت من أوقات الصلاة كما قلتم في الجنب يغسله في شهر رمضان وقت من الجماع وإن كان أبيح له الجماع والأكل والشرب في الليل كله قيل له: إن الفرائض لها أوقات حاضرة بها مأمور بفعلها فيها ثم وجدنا الأذان يفعل في أوقات مختلفة، في الليل لصلاة الصبح قبل دخول وقت الصلاة، وبعد وجوب الصلاة في النهار علمنا أن سبيله غير سبيل الفرض، ألا ترى أن بلالاً يؤذن بليل، والفرض المأمور به وبفعله إذا لم يكن محضوراً في وقت، ولم يوقف المتعبد عليه لم يمكنه الوصول إلى فعله في الوقت المأمور به، والله أعلم وبه التوفيق.

وقد قال بعض الفقهاء: إن أذان بلال كان للسحور، وقد أجمعوا أن الأذان دعاء إلى الصلاة، وحث عليها وإعلام لوقتها، ولا يجوز أن يعلم بها ويدعوا إليها قبل وقتها، ولما يحضر وقتها، والنظر يوجب عندي أن الأذان ليس بفرض، الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أسنكما»، فلما أجمعوا على أن الأصغر لو تقدم الأسن لجازت الصلاة، دل على أن ذلك توجه إلى التأديب دون الفرض، والله أعلم، وروي عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الإقامة سبع عشرة كلمة، وروى جماعة من الصحابة، إن بلالا كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وزيد في الإقامة عند قوله: قد قامت الصلاة، للتفرقة بين

٢٬٩٢٠ / ٤٬٣٨٩