بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ٦٢

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه لا بأس يحفظ القراءة، ما لم يكن ذلك يشغله عن حفظ صلاته، أو شيء منها، ولا يجوز ذلك عندي بالعقد في معنى قولهم، وإنما يجوز في الحفظ بلا اعتقاد.

ومنه؛ قال: قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1 - 2)، فروينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: الخشوع في القلب، وأن تلين قلبك للمرء المسلم، ولا تكفت في صلاتك، وعن ابن عباس أنه قال: خاشون القلب وهو الحزن، وقال مسلم بن سياد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ينظر إلى موضع سجوده، هذا قول كثير من أهل العلم، غير مالك، فإنه قال: أكره ما يصنع بعض الناس من النظر إلى موضع سجوده، وهم قيام في صلاتهم.

قال أبو بكر بالقول الأول أقول، قال أبو سعيد -رحمه الله-: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إن الخشوع في الصلاة الإقبال إليها، وترك الحركات فيها، إلا بمصالحها من جميع الجوارح، من اليدين والنظر والأذنين واللسان، عن جميع ما هو خارج من معانيها حتى يفرغ منها، فمن ذلك ما هو واجد لازم، ومنه ما هو فضيلة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مضى على مصل وهو أحسب يعبث في صلاته بشيء من الحركات فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» وقيل عن عبد الله بن مسعود: إنه كان في الصلاة، كأنه الثوب المعلق على الفلان، المعنى أنه لا يتحرك فيها إلا في معانيها، وركوعها وسجودها، وأصح الخشوع فيها؛ خشوع القلب بالقصد لتأديتها لله، والتعبد فيها، والخوف لله فيها من شؤم ذنوبه أن لا يقبلها منه ولو خشع فيها بجوارحه والرجاء فيه لله بفضله أن يتقبلها، ويتجاوزها عنه بما لا يستحقه بذنوبه في عدله.

ومنه؛ واختلفوا في التروح، فكره عطاء وأبو عبد الرحمن والنخعي ومسلم بن يسار ومالك ورخص فيه ابن سيرين ومجاهد والحسن وعائشة وابن سعد، وكره ذلك أحمد، إلا أن يأتي الغم الشديد، وبه قال إسحاق.

قال أبو سعيد: ولا أعرف معنى التروح، فإن كان التروح بالمراوح من الحر، فذلك عندي عمل لا تخرج إجادته في معاني الصلاة، إلا من ضرورة،

٣٬٠٥٢ / ٤٬٣٨٩