بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ١٦

قضى التحيات الأولى بدا له أن يفصل ويسلم، ويصلي الوتر ركعة، هل له ذلك؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: له ذلك، وقيل: ليس له ذلك، ويمضي على نيته التي أحرم عليها مما يجوز له، قلت له: فإن أحرم على أنه يفصل، فلما قضى التحيات بدا له أن يوصل، هل له ذلك؟ قال: معي؛ إنه سواء في الاختلاف، ويعجبني أن يكون له هذا، إذا كان أفضل، فإن قال به يأتي بالأفضل أحب إليّ، والنية واحدة للوتر، قلت له: فإن أحرم على أنه يصلي نافلة لغير الوتر، فلما قضى التحيات بدا له أن يحوله إلى الوتر، ويقوم يأتي بلا تسليم، ويجعل الركعتين والركعة للوتر، هل له ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك.

مسألة: -ومن جامع أبي محمد- واختلف أصحابنا في الوتر، فقال موسى بن علي: إنها سنة، وليس بواجبة، وقال محمد بن محبوب: هي فريضة كسائر الصلوات المفترضات، ولكل واحد منهم حجة نذكرها في غير الموضع إن شاء الله، والنظر يوجب وجوبها، وليس بفرض لما فيها من التأكيد، والواجب قد يكون فرضا، وقد يكون غير فرض، لأن الفرض معناه في اللغة؛ القطع والتقدير، ألا ترى إلى قولهم: فرض الحاكم النفقة، ومهر المثل، يراد بذلك أنه قدر النفقة لمن حكم بها له، وفرض مهر المثل، أي قطع الحكم بذلك، والله أعلم.

وأما الوجوب فهو اللزوم للفعل، يدل على هذا قول الله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ((الحج:36)، وليس ذلك بفرض، ولكن صار واجبا، ويدل على أن الوتر واجب فعله، ما روي ن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد أنه قال: «من نام على الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ»، ولولا أدلة قد قامت لنا أنه غير فرض، لقلنا بذلك؛ لأن أوامره على الوجوب، وقد أمر بفعله، ولم يجعل له وقتا معلوما كسائر الفرائض، ولا يجب فعله إلا بعد العشاء الآخرة، فدل ذلك على أنه من توابع الصلوات، ولا يصلى جماعة والله أعلم، وقد اختلف أصحابنا في صلاة الوتر فقال بعضهم: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمة واحدة، وقال آخرون: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمتين، وخير صاحب هذا القول

٣٬٤٣٢ / ٤٬٣٨٩