بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس عشر

الجزء ١٥ · صفحة ٧٢

الإجماع. ولا دليل على وجوبها مع غير العادل، وقال الباقون: إن الجمعة تجب مع العادل وغير العادل، لأن فرضها وجب بأمر الله تعالى بقوله: (إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه). فهذا أمر عام، فلا يزال فرضها إلا بإجماع، ولم يكن الأمر عادل وغير عادل، وهذا الأخير عندي أشبه القولين، وأقربها إلى الحجة، فإن قال لنا قائل ممن خالفنا لم تجوزون الصلاة خلف الجبار مع فسقه، جمعة كانت أو غير جمعة؟ قيل له: نعم لأن الجمعة عليه فرض كما أنها فرض على سائر المسلمين، فإذا صلاها فهو مؤد لذلك الفرض، وصلاته ماضية مع فسقه، لأن الفسق لا يفسد الصلاة، وذلك أن الفاسق لا يعيد صلاته إذا ترك فسقه، كما يعيد صلاته إذا كان غير متطهر، فإذا كان فسقه لا يفسد صلاته فصلاة من خلفه أحرى أن لا يفسدها، فإن قال: أو ليس الكافر بالله لا تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: نعم. قيل له: فما الفرق بينه وبين الفاسق؟ قيل له: إن الكافر بالله إنما تجب عليه الصلاة بعد خروجه إلى الإسلام، كما أن المحدث إنما أمر بالصلاة بعد أن تطهر، ولا تجوز الصلاة خلفها، لأنهما أمرا بالصلاة بعد الإسلام والتطهر، والعاصي لربه الفاسق في فعله مأمور بالصلاة مع فسقه ومعاصيه. فإن قال: أفليس الغاصب لا تجوز صلاته في الموضع الذي اغتصبه على قول بعض أئمتكم؟ قيل له: نعم. فإن قال: أوليس الجبار قد غضب مقام الإمام العادل. ومنعه منه، والإمام هو أولى بذلك الموضع منه؟ قيل له: إن موضع الإمام للصلاة ليس بملك، ولا يجوز أن يكون مغصوبا، ولكن قد منع الإمام من موضع هو أولى به منه، فصلاته جائزة مع ذلك، لأنه عزم ألا يدع الإمام يصلي فيه، كما أن الجبار إذا منع إمام المسلمين عن دخول البلد الذي فيه الجمعة، فإن صلاته جائزة، لأنه مع ذلك مأمور بالصلاة.

فإن قال: أو ليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى بقوم وهم له كارهون فلا تجوز صلاته». قيل له: هذا مثل عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». لم يرد بذلك إلا نقصان أجرها، والله أعلم. فإن قال:

٣٬٧٤٢ / ٤٬٣٨٩