بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٧٤

«ألبسوا الثياب البيض وكفنوا فيها موتاكم»، وقال: «إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه»، وممن روينا عنه أنه استحب تحسين الأكفان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومعاذ بن جبل والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وذكر إسحاق بن راهويه أن ابن مسعود أوصى أن يكفن في حلة بمائتي درهم، وروينا عن حذيفة أنه قال: يتغالون بكفني.

قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا الأمر بترك التغالي في الكفن، ويخرج في الرواية في قولهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأحياء أحق بالجديد والموتى أحق وأحق بالخلق»، وأحسب أن أبا بكر فيما يروى عنه أنه أوصى أن يكفن في قصيبين كانا عنده، أحسب أن القصيب المخلق، وكل امرئ ما نوى، وهذا المعنى في الموتى، أصح عندي من الأمر الأول، ومنه، قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحل لبس الحرير والذهب لأناث أمتي وحرم على ذكورها»، فلبس الحرير للرجال مكروه، وأكره أن يكفن فيها الموتى إلا حيث لا يوجد غيرها، فمن كره ذلك الحسن البصري وعبد الله بن المبارك وأنس بن مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ولا نحفظ عن غيرهم خلافا، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات أحدكم فليحسن كفنه، فإن لم يجد فليكفنه في بردي حبره»، وأوصى عبد الله بن المفضل أن يكفن في قميص وبرد حبره، وقال إسحاق بن راهويه: إن كان موسرا ففي ثوبين حبره، وقال الأوزاعي: لا يكفن الميت في الثياب المصبغة إلا ما كان من القصب.

قال أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا معنى ما قال للكراهية للرجل من لبس الحرير وتكفينهم فيه، إلا أن لا يجد غيره، وكذلك البياض للرجال والنساء فيما قيل: في المحيا والممات يؤمرون بذلك، ومعي إن ذلك على غير معنى الحجر كغيره من الثياب، لأنه قد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس بردين يمانيين، وقال حمزة: كفن في بردة، وكانت له يمانية، ولا أجد شيئا يمنع لباس المصبوغ من الثياب للرجال والنساء، إلا أن يخرج على معنى القصد إلى الزينة به، ولمعنى غير اللباس.

٤٬٠٠٣ / ٤٬٣٨٩