الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٢٤بعد خروج الوقت أنه يؤمر أن يتيمم ويصلي، وإن كان يقدر على الماء بعد خروج الوقت لئلا تفوته الصلاة، ورأينا الجنازة تفوت المحدث، قلنا إنها تشابه الصلاة التي يخشى فوتها، قيل له: صلاة الجنازة لا تشبه الصلاة التي شبهتها بها، لأن الحاضرين للجنازة لا يخلوا أن يكونوا غير متطهرين كلهم، وفيهم محدثين وغير متطهرين، أو يكون من حضرها فيهم متطهرين بالماء وغير متطهرين، فإن كان الكل محدثين فقد قال الكل من الناس أن عليهم أن يتطهروا بالماء ثم يصلوا، إلا أن يكونوا في موضع قد أيسوا من وجود الماء ويخاف على الميت إن أخروه إلى وجود الماء، فحينئذ يجتمعون على التيمم، ويصلون عليه، وإن كان بعض من حضر الجنازة متطهرا بالماء، ومنه من ليس متطهرا به ففرض الصلاة لزم المتطهرين بالماء دون من كان محدثا؛ لأن الصلاة على الجنازة على الكفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين، إذا كان الفرق قد لزم المتطهرين بالماء دون المحدثين، لم يكن لمتنفل تيمم في الحضر، إلا بطهارة الماء، إذ وقت النفل في كل زمان، إلا وقت منع المتنفل فيه والله أعلم.
ووجه آخر من الدليل يوجب بصحة ما قلنا: إن الأمة أجمعت على أن من خشي فوت الجمعة لم يكن له التيمم، وإن فاتته وليس له أن يصليها إلا بطهارة الماء، فلو كانت العلة التي ذهب إليها من قال بجواز التيمم لصلاة الجنازة هي فوات الصلاة، لوجب أن يجيز التيمم لمن خشي فوت الجمعة أن يتيمم، والجمعة وسائر الصلوات المفروضات أشبه؛ لأن الجمع ليست بفرض على الكفاية، كما أن صلاة الجنازة ليست بفرض على الكفاية لو شبه بالطهر كان دليله أهدى من أن يشبه الصلاة التي موضعها على الكفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، فإن قال: إن الجمعة لها بدل والجنازة ليست لها بدل، قيل: إذا قدت أنت الجمعة صار لها بدل، فعليك يوجب ألا تفوته، والذي أوجب له الصلاة التيمم على الجنازة ليس بواجب عليه إتيان تلك الصلاة، ولا يشبهها بالصلاة التي ليس له تركها، وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، وهو قوله: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً