بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٣٨

وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عمر وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت يعذب ببكاء أهله» فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال ا لله تعالى: (ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال جل ذكره: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) (العنكبوت:40)، فوجه التأويل فيه والله أعلم أنه ما أمر به الميت من الفعل المحرم عليه، فهذا يعذب بذلك البكاء المنهي عنه من ا لفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن يبكين موتاهن بعد مجيء الإسلام، بما كن يبكين موتاهن في الجاهلية من المدح لهم بذلك، من الأفعال التي كانوا يأتونها ويتشرفون بها عندهم، فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم مضى بامرأة وهي تبكي على ميت، وتقول أنت الذي أغرت على بني فلان، وعلى ديارهم فقتلت أبطالهم، وكذا وكذا من الأفعال القبيحة في الإسلام، فقال عليه السلام: لا تبكين بهذا، فإن الميت يعذب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح والله أعلم، والبكاء على الميت على وجوه، أحدها أن يقع البكاء بالغلبة واختناق العبرة الذي لا يطيق من ابتلى به على دفعه، كالضحك، قال غيره -لعله- أراد الضحك في الصلاة الذي لا يريده المصلي ولا يقدر على دفعه، فالباكي على هذه الصفة لا إثم عليه، ومنه ما يكون الباكي لغم لحقه وحزن وضيق صدر، فيكون فرجة في بكائه وجلاء قلبه واستراحة بدنه، وخروج الكرب من صدره، فهذا على هذه الصفة غير حرج ولا إثم، ومنه ما يكون بكاؤه ويدعو إلى التذلل والخضوع لله عز وجل والتذكر للذنوب على شيء في ماضي أيامه وبرغبة في المسارعة لفعل الخيرات وإتيان الصالحات ويزهده في إتيان المعاصي، ويذكره نزول الموت به وحلوله في قبره، فالباكي على هذه الصفة يكون بكاؤه من أفضل طاعة لربه، ويقربه من خالقه، ويجتبيه إليه ويرفع منزلته لربه، وعندها ينال العبد رضوانه ومغفرته لقول الله عز وجل: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) (البقرة:156) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:157)، فمن امتحن صبره بمصيبة فسلم أمره لله وصبر لقضاء الله وقدره، وفوض أمره إلى الله رجاء لثوابه ورغبة فيما عنده ومسارعة إلى ما أعد الله لأهل طاعته، فهذا البكاء من أفضل ما ندب إليه،

٤٬١٦٧ / ٤٬٣٨٩