بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٩

ولم يعص بغلبة من العاصي، لكنه المالك لما ملكهم عليه والقادر لما أقدرهم عليه.

فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن لهم عنها صارفا، وإن ائتمروا بالمعصية وشاء أن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي جبلهم على ذلك … إذ ملكهم وقواهم، وجعل لهم السبيل إلى حد ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، ولله الحجة البالغة ولو شاء لهداكم أجمعين.

في القدر عن أبي المؤثر من سيرة له أولها:

الحمد لله رب السموات ورب الأرض، ثم اعلموا أن الله تبارك وتعالى لم يزل عالما بما يعمل العباد قبل أن يخلقهم، عالم بما تصير إليه عواقب أمورهم وثوابهم وعقابهم، فجرت أعمالهم على علمه تبارك وتعالى، فمن زعم أن الله لم يعلم أعمال العباد حتى عملوها فهو كافر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

واعلموا أن الله تبارك وتعالى خلق أعمال العباد وحركتهم وسكونهم، وجميع أفعال الحيوان وخلق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والعباد في ذلك مكتسبون، والله خلق اكتسابهم، ولا يقال: إنهم اكتسبوا خلق الله، ولكن يقال خلق الله كسبهم.

ومن زعم أن الله لم يخلق أعمالهم، فقد كذب على الله، وكفر به، وقد قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون وهو خالق كل شيء) وأفعالهم شيء.

ومن زعم أنهم لم يكتسبوها، وأن الله لم يعذبهم على شيء منها، وأنه إنما عذبهم وأثابهم على فعله لا على أفعالهم فقد كذب على الله، والله تبارك وتعالى يقول: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ

٤٢٧ / ٤٬٣٨٩