بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٠

المعنى في ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام، لأن أمر الله إنما تنزل به الملائكة في الدنيا وفي الآخرة، كما قد قدره الله وأراده من غير عجز من الله عن ذلك، ولكن تقديره وتدبيره تبارك وتعالى.

فإن قال قائل: فإنما ظاهر الآية إنما هو قال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾.

وقال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ولم يقل هاهنا أمر الله، فإنما ذلك قولكم أنتم.

قلنا: كذلك قول الله فيمن أنزل به العذاب والعقاب في الدنيا، فقال تعالى: ﴿فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ وقال: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ فيجوز على الله أن يكون هو الآتي في الدنيا، كما يجوز أن يكون هو الآتي في الآخرة، أو لا يجوز ذلك في الدنيا، ويجوز في الآخرة، بل لا يجوز عليه ذلك في الدنيا ولا في الآخرة، والحجة في هذا واضحة من كتاب الله بما يطول به الكتاب، والله أعلم بتأويل كتابه، وهو أعلم بالصواب.

وذكرت في قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ قلت ما النذير؟

فقد عرفنا في ذلك أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل في بعض التأويل: إنه الشيب، والقول الأول أصح معنا.

وقد يوجد أن الشيب يسمى النذير، أي نذير الموت، فلما أن كان الشيب إنما هو نذير الموت، فقد تقدم الحجة لله على عباده إذا بلغ الحلم من قبل أن يأتيه الشيب، وقد يمكن أن يكون الشيب فيما هو مخصوص منه في ذلك، لأنه قد وجدنا في التأويل في هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾.

٥٢٨ / ٤٬٣٨٩