بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٤

مسألة:

وهذا من إملائه أيضا، واعلموا رحمنا الله وإياكم أنه لو كانت الولاية والبراءة بالقول دون العمل والنية والتوبة إلى الله من كل معصية لكان كل من لعن إبليس استوجب البراءة منه، وكل من صلى على محمد صلى الله عليه وسلم استوجب الولاية هيهات هيهات، إلا بالتوبة إلى الله من جميع السيئات، وبصدق الطاعة لله في جميع النيات، فطوبى لمن ختم الله له بالتوبة قبل الممات، والتوبة بصدق اعتقاد القلب بأنه تائب إلى الله من كل ذنب، وساخط لله بقلبه من كل ما قد كان منه من المعصية، وصادق لله بالتوبة بأنه لا يرجع إلى شيء من المعاصي وأنه دائن لله بأداء جمعي ما يلزمه من حق بملبغ قدرته ومجهود طاقته وأن دينه في جميع الأمور دين محمد صلى الله عليه وسلم دون أن ينقض في ذلك عهدا، ولا يخلف في ذلك وعدا ما بلغ إليه طوله ومجهوده وحوله، فمن علم الله منه الصدق في هذا الاعتقاد ولم يكن في اعتقاده هذا مخالفا، وألزم نفسه لله في ذلك الوفاء، وفى الله له بالعهد وعذره وواجب له الرضوان والمغفرة ولو كان عليه من الحقوق للعباد ملء الأرض ذهبا فإن الله يكون عليه تائبا، ومن كمال الدين في قلب العبد أن يعلم يقينا بأن الله يقبل التوبة عن عباده، وقد قال الله تعالى:

* (*أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ … *) *(1).

وقال [تعالى]: * (*أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ*) *(2).

وكما عليك أن تعلم أن الله يعلم سرك وجهرك وجميع أمرك، كذلك عليك أن تعلم أن الله يغفر لك جميع وزرك إن علم منك الصدق بأنك

(1) جزء من الآية رقم 104 من سورة التوبة.

(2) جزء من الآية رقم 78 من سورة التوبة.

٦٨٤ / ٤٬٣٨٩