الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٨فلم ينكره وقال إنه يقدر على إنكاره، ولو أراد ذلك هل يبرأ منه أم هو على ولايته أو يقف عنه؟
قال: إذا كان المنكر مما لا اختلاف فيه أنه منكر وكان الولي مما أوجب الله عليه الإنكار بالقدرة والوصول إلى ذلك، فضيع ذلك بغير عذر فذلك كبيرة من فعله ويبرأ منه ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته وإن صبر مضى على البراءة ولا يجعل عليه براءة ولا وقوفا حتى يأتي من الأمور ما لا يحتمل له مخرجا من مخارج الحق بوجه من الوجوه ويعترف بذلك أو تقوم عليه بذلك البينة ثم حينئذ يترك حيث أنزله الحق.
قلت: فإن كان ذلك المنكر مثل جماعة نساء أو رجال على شراب مسكر ولم ينكره عليهم وقادر على إنكاره، هل تجب منه البراءة بذلك؟
قال: إذا كان من السلطان أو من أعوانهم الذين لهم القدرة ببسط اليد والعز والقوة بالحق وكان هؤلاء المجتمعون على المنكر في موضع دعوة المسلمين فيه ظاهرة وأيديهم فيه قاهرة لم يسع من وافق ذلك ممن له يد على الإنكار مبسوطة إلا أن يغير ما يرى من المنكرات بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يفعل فقد وجدنا عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله أنه لا يقدر على البراءة منه، وأحسب أنه تترك ولايته، وهذا على معنى التحقيق بالبراءة لا على معنى حقائق الأمور.
وأما في أصل ما تعبد الله به عباده أن فرض عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قدر منهم على ذلك كما فرض عليهم الصلاة والزكاة وغيرهما من الفرائض.
ثم أجمع المسلمون أنه من صنع فريضة بعد القدرة على أدائها بغير عذر فقد واقع الكبيرة وقد كفر بذلك كفر نعمة لا كفر شرك