القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٢٤ولذلك كانت تلك القواعد قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنه، وكون هذه القواعد أغلبية لا يغض من قيمتها العلمية وعظيم موقعها في الفقه، وقوة أثرها في التفقيه، حيث نجد في هذه القواعد تصويرا بارعا، وتنويرا رائعا للمبادئ والمقررات الفقهية العامة، وكشفا لآفاقها ومسالكها، وضبطا لفروع الأحكام العملية بضوابط تبين في كل زمرة من هذه الفروع وحدة المناط، وجهة الارتباط برابطة تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها، ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعا مشتتة، قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها في الأفكار(1).
ونستخلص مما ذكر في التعريف بالقاعدة الفقهية مع ما أورده الشيخ مصطفى الزرقاء في ذلك، من أن القواعد الفقهية عبارة عن مفاهيم ومبادئ فقهية كبرى ضابطة لموضوعاتها، قد بدأت حركة تقعيدها وتدوينها أواخر القرن الثالث الهجري، وأن معانيها الفقهية كانت مقررة لدى الأئمة المجتهدين، تعتبر أصولا علمية لهم يقيمون بها ويبنون عليها ويعللون بها، وإن كانت لم تُفرَد بالتدوين قبل ذلك، ولم تأخذ الصياغة التي انتهت إليها فيما بعد، إلا الصقل والتحوير. وهي غير "أصول الفقه" التي هي علم يقرر الطريقة العلمية في تفسير النصوص وفهمها والاستنباط منها،(2).
ويضيف الشيخ الزرقاء في حديثه عن القواعد الفقهية قوله: "إن المذهب الحنفي هو أقدم المذاهب الأربعة الكبرى قد كانت الطبقات العليا من فقهائه أسبق إلى صياغة تلك المبادئ الفقهية الكلية في صيغ قواعد، والاحتجاج بها… عنهم نقل رجال المذاهب الأخرى ما شاؤوا منها"(3).
(1) – المدخل الفقهي العام، 2/948-948.
(2) – المدخل الفقهي العام، 2/955.
(3) – المدخل الفقهي العام، 2/952.