القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٨٠وهو قوله تعالى:" وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " حتى إن المضطر والمستكره بالقياس عليه لما قد يلحقه من ضرر في النفس أو العضو، فلو امتنع المشرف على الهلاك عن الأكل من الميتة ونحوها حتى هلك كان آثما إن كان عالما بسقوط الحرمة في حالته تلك، لأنه بالامتناع صار ملقيا بنفسه إلى التهلكة، وقد نهي عن ذلك، والضرورة في هذه الحالة ترفع حكم الفعل من المؤاخذة والإثم ولكن لا ترفع الضمان لو اضطر لأكل مال الغير.(1)
الحالة الثانية: يرخص في الفعل ولكن حرمته مؤبدة لا تحتمل السقوط: أي يبقى الفعل حاما لكن رخص في الإقدام عليه لحالة الضرورة فقط، ولكن يمنع الإثم والمؤاخذة الأخروية، مثل إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، فإن ذلك يباح بالإكراه الملجئ فقط، وإن صبر الشخص على كما أكره عليه حتى قتل كان مأجورا، والأفضل عند الحنفية والحنابلة عدم التلفظ بالكفر إظهارا لعزة الإسلام وإعلاء لكلمة الحق، وقال بعض أهل العلم: الأولى أن يقال: إن ذلك يختلف بحسب الظروف والأحوال.(2)
الحالة الثالثة: لا يباح الفعل ولكن يرخص فيه في الجملة وهي حقوق العباد كإتلاف مال الغير وتناول المضطر مال غيره، فإن ذلك حرام، ولكن هذه الحرمة قد تزول بإذن صاحب المال بالتصرف.
والحقيقة أن هذه الحالة كسابقتها من حيث النتيجة وأثر الإكراه فيها، إلا أن النوع السابق لا تحتمل حرمته السقوط أبدا في أي حالة من الحالات، وهذا النوع قد سقط حرمته في الجملة بإرادة صاحبه، ومما يدخل تحت هذا النوع حقوق الله التي تحتمل السقوط في الدنيا كالعبادات فإنه يجوز تركها بالإكراه الملجئ.
(1) الجامع لابن بركة البهلوي 2 / 543 الفقه الإسلامي وأدلته ومية الزحيلي الإيضاح في الأحكام أبو العباس عامر الشماخي ج2 / 274-282.
(2) – القواعد الفقهية الكبرى – السدلان ص 261.