القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٢١٣وثالث مقاصد الشريعة التحسينية (الكمالية) وهى ما تقتضيه المروءة والآداب وسير الأمور على أقوم منهاج، وإذا فقدت لا يختل نظام حياة الناس كما إذا فقدت الأمور الضرورية، ولا ينالهم حرج كما إذا فقدت الأمور الحاجية، ولكن تكون حياتهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة، والأمور التحسينية للناس بهذا ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج.
وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات أحكاما تقصد إلى هذا التحسين والتجميل، وتعود الناس أحسن العادات وترشدهم إلى أحسن المناهج وأقومها. ففي العبادات شرع الطهارة للبدن والثوب والمكان وستر العورة والاحتراز عن النجاسات والاستنزاه من البول.
وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والتغرير والإسراف، وحرم التعامل في كل نجس وضار، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، وعن تلقى الركبان، وغير ذلك مما يجعل المعاملات على أحسن منهاج، وفي العقوبات يحرم في الجهاد قتل الرهبان والصبيان والنساء، ونهى عن المثلة والغدر الأعزل وإحراق ميت أو حي.
وفي أبواب الأخلاق وأمهات الفضائل قرر الإسلام ما يهذب الفرد والمجتمع ويسير بالناس في أقوم السبل(1).
وقد دل سبحانه على إرادة التحسين والتجميل بالعلل والحكم التي قرنها ببعض أحكامه كقوله تعالى “ ولكن يريد الله ليطهركم وليتم نعمته عليكم”(2). وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”(3)
(1) – أصول الفقه، خلاف، ص91.
(2) – المائدة، آية 6.
(3) – قال العراقي: رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قال الزبيدي: رواه مالك في الموطأ بلاغا بلفظ: "إنما بعثت". وقال ابن عبد البر: هو متصل من وجوه عن أبي هريرة مرفوعا، منها ما أخرجه أحمد في مسنده والخرائطي في أول مكارم الأخلاق بلفظ "صالح الأخلاق" ورجاله رجال الصحيح. انظر إتحاف السادة المتقين، ج7، ص93.