القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٢١٤.
قال الإمام الشاطبي وكل مرتبة من هذه المراتب ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة مما لو فرضنا فقده لم يخل بحكمتها الأصلية، ففي الضروريات لما شرع إيجاب الصلاة لحفظ الدين شرع أدائها جماعة وإعلانها بالأذان لتكون إقامة الدين وحفظه على أتم حال بإظهار شعائره والاجتماع عليها.
ولما أوجب القصاص لحفظ النفوس وشرع التماثل فيه ليؤدى إلى الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء، لأن قتل القاتل بصورة أفظع مما فعل قد تؤدى إلى سفك الدماء، وإلى نقيض المقصود من القصاص.
ولما حرم الزنا لحفظ النسل حرم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة، ولما حرم الخمر حفظا للعقل حرم القليل منه ولو لم يسكر، وجعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجبا، وكل ما يؤدى إلى المحظور محظورا، وحذر من كثير من المباحات، وقيّد كثيراً من المطلقات، وخصص كثيرا من العمومات، سداً للذرائع فالأحكام التي شرعها لحفظ الضروريات كملها بتشريع أحكام تحقق هذا المقصد على أكمل وجوهه.
وفي الحاجيات لما شرع أنواع المعاملات من بيوع وإيجارات وشركات ومضاربات؛ كملها بالنهى عن الغرر والجهالة وبيع المعدوم، وبيان ما يصح اقتران العقد به من شروط، وما لا يصح وغير ذلك، مما يقصد به أن تكون المعاملات فيها سد حاجة الناس، من غير أن تثير الخصومات.
وفي التحسينات لما شرط الطهارة ندب عدة أشياء تكملها، ولما ندب الإنفاق ندب أن يكون الإنفاق من طيب الكسب، فمن حقق النظر في أحكام الشريعة الإسلامية يتبين أن المقصود من كل حكم شرع فيه حفظ ضروري للناس أو حاجي لهم أو تحسيني أو مكمل لما حفظ واحد منها(1). وكل من هذه المراتب تعتبر مكملة لما هو أقوى منها فالحاجيات مكملة للضروريات والتحسينيات مكملة للحاجيات.
(1) – انظر الموافقات للشاطبي، ج2، ص10-11. أصول الفقه، خلاف، ص192-193.، أصول الفقه أبو زهرة، ص370-373. وانظر لباب المحصول، ج2، ص456.