القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

أما كون الضروري هو الأصل فلأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة حتى إذا انحرفت لم يبق للدنيا وجود. والمراد بالدنيا ما هو خاص بالمكلفين والتكليف، وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك، فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى، ولو عدم المكلف عدم من يتدين، ولو عدم العقل لارتفع التدين، ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء، ولو عدم المال لم يبق عين وهذا كله واضح لا يحتاج إلى إقامة برهان عليه، وإذا كان كذلك فالأمور الحاجية إنما هي حائمة حول هذا الحمى، إذ هي تتردد على الضروريات فتكملها؛ بحيث ترتفع عن القيام بها المشقات، وتميل بالمكلفين فيها إلى التوسط والاعتدال، فالأمور الحاجية فروع دائرة حول الأمور الضرورية، وكذلك الأمر في التحسينة أو الكمالية لأنها تحسن ما هو حاجي أو ضروري، ولا يخفى أن اختلال الضروري ينشأ عنه اختلال ما بعده، لأن الأصل إذا اختل اختل الفرع تبعا له، فلو فرضنا ارتفاع البيع من الشريعة لم يمكن اعتبار الغرر والجهالة، ولو ارتفع أصل القصاص لم يمكن اعتبار المماثلة فيه، فإن ذلك من أوصاف القصاص، ومحال أن يثبت الوصف مع انتفاء الموصوف ولا يخفي أيضا أن الضروري لا يختل باختلال ما بعده لأنه كالموصوف، وبعده كالصفة. ومن المعلوم أن الموصوف لا يرتفع بارتفاع بعض أوصافه، فلو فرض ارتفاع اعتبار الجهالة والغرر لم يبطل أصل البيع، ولو فرض ارتفاع المماثلة في القصاص لم يرتفع القصاص، اللهم إلا إن كانت الصفة ذاتية بحيث صارت كالجزء من الموصوف، فإنها إذ ذاك تكون ركنا من أركان الماهية ترتفع بارتفاع أحد أجزائها، والصفة التي هذا شأنها ليست من الحاجيات ولا الكماليات للشيء، بل هي من مقوماته لا يوجد بدونها، على أن كل رتبة ينالها اختلال ما باختلال ما دونها لأن هذه المراتب مرتبطة بعضها فوق بعض في التأكد، فالاجتراء على الإخلال بالأخف تمهيد لترك ما هو أوكد، ومدخل للإخلال به، فصار

٢١٧ / ٣٤٤