القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥ووجدنا القواعد الخمس الكبرى وقد نص عليها بألفاظها أو بإشارة واضحة إليها، وكذلك الكثير من القواعد الأخرى، من بين تلك القواعد التي اعتنى بها وعالجها، قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"، وقاعدة "العادة محكّمة"، وقد ألف كتابه المسمى كتاب "التعارف" لتوضيح العلاقة بين القاعدتين، حيث إنه أثبت أن شرع الله تعالى قد اعتبر قاعدة "اليقين لا يزول إلا بيقين مثله" وصلحت هذه القاعدة أن تكون أصلا يرجع إليها كثير من أحكام الإسلام.
ولكن بيّن بالاستدلال والتمثيل على أنه من الخطإ أن يعتبر هذا اليقين الذي لا يخرج المكلف من الواجب إلا به، ولا يقدم على الأمور إلا به، أنه هو اليقين الذي عند الله، والحقيقة التي يعلمها الله، بل الواجب الاعتبار باليقين الذي هو عندنا.
ومن عباراته في هذا المعنى قوله: "وأن اليقين الذي تعبّدنا به هو ما عندنا، لأن ما عند الله من اليقين لا يبلغه علمنا، الدليل على أن الله تعبدنا بما هو يقين عندنا مما نعلم والظاهر من الأمور، ونستدل على معرفتها، ونخرج من العبادة دون أن نعلم حقيقته عند الله، ما تعبدنا بإباحة الفروج والدماء والأموال التي عظم حرمتها وتوعد عليها بأليم العقاب؛ بالعدول من البينة دون غيرهم من الفساق، فعلينا طلب العدالة بظاهر أمورهم، وما هو يقين عندنا بما تسكن إليهم نفوسنا، وتطمئن به قلوبنا، لأن الله جل ذكره لا يجوز أن يفترض علينا الحكم بالبينة العادلة عنده، لأن ذلك عالم بسرّهم وباطنهم، إلا أن ينصب لنا علماء يعرفون به كالسماء بين أعينهم، ولعل جميع ما تعبد الله به عباده من طريق الشريعة أن ما أخذ عليهم أن يخرجوا منه بما هو يقين عندهم، بما يستدلون على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة"(1).
فبهذا الشرح الوافي يكون استعمال العادة والأخذ بها أمرا مشروعا، وتكن محكمة في الخروج من الأحكام التي ثبتت باليقين.
(1) – التعارف، 7.