القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق

الجزء ١ · صفحة ٣٣٥

وهذا حديث مخالف لكتاب الله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ويخرج – أيضا- إن كان صحيحا على وجه تعظيم حقوق الله.... ولعله له معنى غير ما حضرنا(1).

ويقول بعد كلام: «قد مضى القول في الرواية- أي السابقة – ولا يصح معنا أن النبي- صلى الله عليه وسلم – يحكم على الهالك بعصيان إذ لم يترك وفاء، وهذا خلاف الكتاب والسنة ، إلا أن يخص بعينه لعلم قد علمه النبي منه أو لمعنى، وليس من ترك دينا ولم يترك له وفاء كان عاصيا ، لا نعلم في هذا قول أحد من أهل العلم»(2).

وذلك لأن مبنى الشريعة الإسلامية على التيسير ورفع الحرج، وقد دل على هذا المقصد آيات كثيرة منها قوله عز وجل: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ (3) ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ﴾ (4) و ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ (5).

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ (6)، ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ (7).

ومن أحاديث مصطفى- صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وضع الحرج»، و«إن هذا الدين يسر».

ولهذا كله وقف الإمام أبو سعيد اتجاه هذه الرواية وقفة تأمل جعلته يشكك في صحتها. ومع فرض التسليم بصحتها وثبوتها، فالحديث لابد من تأويله على الوجه الذي لا يصادم آيات الكتاب العزيز وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-الناصة على رفع الحرج ودفع المشقة، فالله لا يخاطب العباد بما يشق عليهم، والرواية السابقة تقتضي التكليف بما لا يطاق. والتكليف بما لا يطاق يمثل أقصى أنوع المشقة وأرفع دراجات الحرج على المكلف.

(1) – الزيادة على الإشراف ورقة 258 مخطوط رقم 1526 وزارة التراث والثقافة.

(2) – مرجع سابق ورقة 259.

(3) - البقرة، آية 286.

(4) - الطلاق، آية 7.

(5) - الحج، آية 78.

(6) - البقرة، آية 185.

(7) - النساء، آية 28.

٣٣٥ / ٣٤٤