القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٥٣(34) فجاء الفقيه الشافعيُّ عز الدين ابن عبد السلام (-660هـ/1261م) ليكتب كتاباً ضخماً هو " قواعد الأحكام في إصلاح الأنام "، يذهب فيه إلى أنّ الشريعة كلَّها مبنيةٌ على جلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم (35). وفي الوقت الذي كان فيه ابن تيمية (-728هـ/1327م) يكتب في نقد المنطق الأرسطي وبناء القياس الفقهي عليه، ويرى أنّ مشكلةَ المشاكل فيه قيامُهُ على الكليات، بينما يقوم فقه الفروع على الجزئي (36)؛ كان تلميذه ابن القيم (-751هـ/1350م) يضعُ رسالته " الطُرُق الحكمية " في بناء الأحكام على المصالح. وبلغ الأمر الذروة مع القرافي (-684هـ/1285م) في الفروق، والشاطبي (-790هـ/1388م) في " الموافقات " حيث أصبحت حكمة الشريعة أو عقلُها أو مقاصدُها
( يعني مصالح العباد الضرورية ) هي الحاضنةُ لكلّ ما عداها، وليس في شريعتنا فقط؛ بل كما قال الشاطبي :"وقد قيل إنها ( أي مصالح العباد ) مُراعاةٌ في كل مِلّة " (37).
كانت للقواعد الفقهية وظيفتان رئيسيتان ( بالإضافة إلى تبسيط فقه المذاهب وتنظيمه )؛ الأُولى إعادة الربط بين الواقع والأصول الشرعية لتجديد حركية الاجتهاد والتجديد، وتمكين الفقيه من ممارسة مهمته في متابعة " الوقائع التي لا تتناهى ". والثانية : خدمة القضاة والمفتين في عملية تعقُّل الشريعة، وتطبيقها في حياة الناس، وفي حلّ مُشكلاتهم.