القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٩٠فهذه قاعدة لغوية وأن دلالتها جاءت من طريق الوضع كما ذهب إليه بعض الأصوليين، ثم استعملها الأصوليون لكون الأمر صفة من صفات الخطاب الشرعي، فإن الخطاب الشرعي قد يكون أمراً، أو نهياً، فإن كان أمراً وجب امتثاله لقوله تعالى لإبليس ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ (1). وقول موسى لهارون: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ (2). فأخذوا من هذه الآية مقدمة صغرى، فقالوا تارك الأمر عاص، ثم قالوا وكل عاص يستحق النار لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ (3). فصارت النتيجة تارك الأمر يستحق النار، ولا يستحق النار أحد على ترك الأمر إلا إذا كان الأمر للوجوب.
ثم فروعوا عليها فروعاً منها:
وجوب الإشهاد على الرجعة كقوله تعالى : ﴿ وأشهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم ﴾ (4).
ومنها تكبيرة الإحرام لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي إذا قمت إلى الصلاة فكبر(5) فهذا أمر والأمر للوجوب.
الثالثة: الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة وهو قول الجمهور(6)، وقيل للاستحباب، ذكره القاضي حسين من الشافعية. وقيل يقتضي الوجوب كما لو لم يتقدمه خطر. وهو الأصح عند الإمام فخر الدين وأتباعه ونقله ابن برهان عن الباقلاني والآمدي عن المعتزلة.
وقد فرع الأصوليون على هذه القاعدة فروعاً منها.
إباحة زيارة القبور لكونها جاء مأموراً بها بعد الحظر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها"، وقال البعض: إنه يدل على الندب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنها تذكر بالآخرة"(7).
(1) – الأعراف، آية 12.
(2) - طه، آية 93.
(3) - الجن، آية 23.
(4) - الطلاق، آية 2.
(5) - رواه مسلم.
(6) - أنظر المحصول 2/129 والكاشف 1/ 292 والإبهاج 2/26 والتبعرة ص38 ومختصر ابن الحاجب 2/ 91.
(7) - أخرجه مسلم في صحيحه 1517 كتبا الجنائز باب الرخصة في زيارة القبور.