الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٥لأنّه لا يسع جهل شركه على حال من الأحوال؛ ومنها شرك الإكراه، وذلك قول المكرَه على القول بإلاهين اثنين، أو إنكاره - عز وجل - رأسًا على جهة الإكراه، وقد اختُلف فيه فقال بعضهم: لا شرك ولا كفر ولا معصية، وقال بعضهم: إنّه شِرك ولا شِرك في الحُكم ولا معصية ولا كفر، واتّفق الجميع أنّه لا إثم ولا معصية ولا ذنب ولا عقاب، ويُقال: كَذِبٌ أُبيح له؛ ومنها ما رُكِّب في قلوب العباد من الجزَع والهَلَع، وقِلّة الثِّقة بموعود الله - عز وجل -، وثقتهم بأنفسهم وقواهم وحيَلهم حتّى أنّهم لَيَثِقون بكلابهم، فسُمّي هذا المعنى شِركًا، ولذلك قال ابن عبّاس - رضي الله عنه -: لا تزالون تشركون، تقولون لولا كلابنا لسُرِقنا(1)، …
--------------------
قوله لا يسع جهل شركه على حال من الأحوال: أي لأنّه من التّرتيب الأوّل في المعاصي، وهو القول بتعدّد الآلهة، وأمّا بقيّة أقسام الشّرك فإنّ الذي يجب عليه فيها إنّما هو الحكم عليه بالكفر، وأمّا الشّرك فإنّه لا يجب عليه الحكم حتّى يأخذ أنّه شرك، لأنّه من التّرتيب الثّاني على ما ذكره في "السّؤالات"(2).
قوله شرك ولا شِرك في الحكم: أي شركٌ نظرًا إلى لفظه، ولا يترتّب عليه في الحكم شيء لقوله - عز وجل -: ﴿إِلاَّ مَنُ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَانِ﴾ [النّحل: 106].
قوله والهلَع: هو شِدّة الجَزَع وقِلَّة الصّبر(3).
(1) - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: في الأنداد من قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا﴾ هو الشّرك أخفى من دبيب النّمل على صفا سوداء في ظُلمة الليل، وهو أن … تقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللّصوص البارحة … الخ، ابن كثير، تفسير الآية 22 من سورة البقرة؛ الشّوكاني، فتح القدير، تفسير الآية المذكورة.
(2) - السّوفي، 94.
(3) - في نسخ الحاشية: شِدّة الحِرص … ، والذي أثبتناه من هـ.