الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٠وهل يكون من أنعم عليه بنعمة فأهملها مع شِدّة فاقته إليها إلاّ مذمومًا في العقل مع ما جاء من وعيد الشّرع؟ فتبيّن بما ذكرنا لأهل العقول والبصائر أنّ اللهَ سبحانه ممتنّ على العباد في الدّنيا بسعة الأرزاق، وصحّة العقول والأبدان، وتسخيره لهم ما في الأرض والسّموات، وإيجابه عليهم الفرائض والعبادات، وتحظيره(1) عليهم المحرّمات، وممتنّ على أهل طاعته في الآخرة بالغفران ودخول الجنان، وبالله التّوفيق.
وأمّا الدّلائل: فهي مخلوفات الله تعالى الدّالّة على ربوبيّته ووحدانيته من السّموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من الجوهر والعرض، فالعاقل إذا نظر في ذلك بعين البصيرة علِم أنّ اللهَ لم يخلق ذلك عبثًا ولا باطلاً، ولم يترك الإنسان سُدًى ولا مهمَلاً، بل خلق الجنّ والإنس ليمتثلوا أوامره قولاً وفعلاً، …
--------------------
قوله وتسخيره: أي تهيئته لمنافعهم.
قوله إذا نظر في ذلك: أي بعد أن يخبره مُخبِرٌ أو ينبّهه منبِّهٌ، لأنّا ندين أنّ معرفة اللهِ لا تُنال بالتفكير ولا بالاِضطرار، وإنّما تُنال بالاِكتساب والتعلّم، وذلك إنّما يصحّ بعد مُخبر ومنبّه على ذلك.
قوله ليمتثلوا أوامره: هذه اللام كاللام التي في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريّات: 56]، قال في "السّؤالات": «وهذه الآية من مشكل القرآن، وهي مخصوصة ليست بعامّة في جميعهم، وقالت الرّوافض: عامّة، مينًا منهم وغينًا على قلوبهم … الخ»(2)، وإنّما جعلها
(1) - في ب: وتحريمه.
(2) - السّوفي، 276، والميْنُ: الكذب، والغيْنُ: من غين على قلبه إذا غشيته الشّهوة.