الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦أمّا المقدّمة فهي: أنّ الله سبحانه خلق الدّنيا وحفّها شهوات، وملأها آفات، وأسكنها الثّقلين من عباده، وسخّر لهم كلّ ما في بلاده …
--------------------
قوله وحفّها شهوات: ظاهره أنّ حفّ يتعدّى إلى مفعولين بنفسه، وظاهر كلام "الصِّحاح" أنّه يكون لازِمًا ومتعدّيا إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى الثّاني بالحرف، حيث قال: «وحفّوا حوله، يحفّون حفًّا، أي: طافوا به واستداروا» إلى أن قال: «وحفّه بالشّيء يحفّه كما يُحفّ الهودج بالثّياب … الخ»(1)، أقول ويشهد له: «حُفَّت الجنّة بالمكاره وحُفّت النّار بالشّهوات»(2).
قوله الثّقلين: أي: «الإنس والجنّ، سُمِّيا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم وقدرهم، أو لأنّهما مثقلان بالتّكليف» "بيضاوي"(3).
قوله وسخّر لهم كلَّ ما في بلاده: أي: إلاّ ما قام دليل على تحريمه، وهذا مقتبَس من قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: 13]، وقد استدلّ بهذه الآية من قال: إنّ الأصل في الأشياء قبل الشّرع الإباحة، كما استدلّ من قال: إنّها على التّحريم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَا ذَا أُحِلَّ لَهُمْ … ﴾ [المائدة: 4].
(1) - الجوهري: باب الفاء، فصل الحاء: حفف.
(2) - الحديث بهذا اللّفظ أخرجه مسلم في أوّل كتاب الجنّة وصِفة نعيمها وأهلها، رقم: 2822 - 2823، وأخرجه البخاري بلفظ «حُجبت النّار بالشّهوات، وحُجبت الجنّة بالمكاره»، كتاب الرِّقاق، باب حُجبت النّار بالشّهوات، رقم: 6122.
(3) - أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمّد البيضاوي: أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل، تفسير الآية 32 من سورة الرّحمن.