الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨وجعل ما تعبّدهم به مأخوذًا من واجب عقلي ورَدَ الشّرع بتأكيده، ومسموعًا من خطاب نقليٍّ لا يمنعُ العقلُ من جوازه، ولذلك توجّه الخطاب إلى ذوي الألباب، وبه استوجبوا الثّواب والعقاب، إذ ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل والتّمييز، كما أنّه ليس من الحكمة تكليف الأصمّ السّمع، وتكليف الأخرس النّطق، وكذلك ليس من الحكمة إهمال العاقل بغير تكليف، لأنّ ذلك يؤدّي إلى إباحة الشّتم له والاِفتراء عليه بما ليس من أهله، فكيف وقد نزّه الجليل جلّ جلاله نفسه عن هذه الصّفة فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ الآية [المومنون: 115]، …
--------------------
بدعوة نبيئنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ ليُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التّوبة: 115]، وإنّما قلنا في صاحب الجزيرة إنّه مكلَّفٌ وإن لم يسمع بالدّعوة لأنّ الحُجّة فيما لا يسعُ: الإلزام سمع أو لم يسمع، والمراد: المساواة بينهم في نوعه لا في شخصه، لتفاوت الرِّجال والنّساء والعبيد والأحرار في بعض الأحكام، فالمراد أنّه لم يخلق عاقلاً مهمَلاً كما هو معلوم.
قوله مأخوذًا من واجب عقليٍّ: أي: ضروريّ فيه، كوجود الصّانع وحُسن العدل وقُبح الظّلم، وليس المراد الواجب الذي يترتّب على فعله الثّواب، وعلى تركه العقاب، فإنّ ذلك مرجعه عندنا إلى الشّرع، لقوله تعالى: ﴿لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النّساء: 165]، ولم يقل: بعد العقل.
قوله لا يمنع العقلُ من جوازه: وذلك كسائر الفرائض البدنيّة والماليّة.