الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥وكذلك مضغه بالأسنان، فهذا جُنون وليس من التوكّل في شيء، فإنّه إن انتظر أن يخلق اللهُ فيه شَبَعًا دون أكل الخبزِ، ودون أن يتحرّك إليه، أو يسخّر ملَكًا يمضغه له، فقد جهل سُنّة الله تعالى في البلاد والعباد، وكان كمَن طمع في الزّرع بغير بَذْرِ ولا حرثٍ، وطمع في الولَد بغيرِ جِماع زوجته - كمريم ابنة عِمران-، وأمثال هذا ممّا يكثُرُ، فليس التوكّل في هذا المقام بالعمل بل بالحال والعِلم، أمّا العلم: فهو أن يعلم أنّ اللهَ تعالى خالِقُ الطّعام واليدِ، وأنّه الذي يُطعمه ويسقيه، وأمّا الحال: فيكون سُكونه واعتماده على فضل اللهِ تعالى، لا على اليد والطّعام إذ تجفّ اليدُ ويُسلبُ الطّعام في الحال، وإذا كان حالُه هكذا وعلمه فليمُدَّ إليه اليدَ فإنّه متوكّل. الوجه الثّاني: الأسباب التي ليست متعيّنة، لكن الغالب أنّ المسبَّب لا يحصُلُ دونها، كالذي يسافر في البادية بغير زاد، فهذا متوكل بشرطين، أحدهما: أن يكون قد رَاضَ نفسه على الصّبر على الطّعام أسبوعًا أو ما قارَبَه، والثّاني: أن يكون بحيث يتقوّت بالحشيش والأشياء الخسيسة؛ فبين الوجهين فرْقٌ، لأنّه في هذا الوجه يُحتمَلُ أن يجد طعامًا، أو ما يُعطى له، أو ينتهي إلى محلّةٍ أو قرية، والوجه الأوّل لا يحتمل أن يترك الطّعام ممضوغًا في فيه فبينهما فرْق، ولكن الثّاني قريب من معنى الأوّل، ولهذا نقول: لو انحاز إلى جبل لا ماء فيه ولا حشيش ولا يطرُقُه …
--------------------
قوله بشرطين: أي بأحد شرطين، فإنّ أحدهما كافٍ والله أعلم.