الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠مسألة في التّفويض: اِعلم أنّ تفويض الأمور إلى الله تعالى فرضٌ واجبٌ، ومعناه: أن تعلم أنّه لا يملكُ ضرّكَ ونفعَكَ وحياتَكَ وموتَكَ إلاّ اللهَ، ولا لَكَ رازِقٌ غيره، ولا معطٍ سِواه، ولا مانع حاشاه، فإذا استقرّ ذلك في قلبك فقد فوّضت الأمورَ التي تنجو بها وترجو إلى مالِكِها، فأُسُّ التّفويض والباعثُ عليه إنّما هو اعتقاد أنّه لا يكون من الخير ولا من الشرّ إلاّ ما أراد اللهُ كونه، فإذا كان اعتقاد العبدِ هكذا فقد استراح قلبُه من الخضوع إلاّ لمولاه - عز وجل -، …
--------------------
حين استرقى واكتوى وتداوى وأمر بالمداواة وقال: «إنّ الذي أنزَلَ الدّاء هو الذي أنزل الدّواء»، والله أعلم(1).
قوله ومعناه أن تعلم … الخ: لو قال: ومعناه ردّ جميعِ الأمور إلى اللهِ، لكان أظهر ومناسبًا أيضًا لِما في كتب اللّغة، قال في "الصّحاح": «فوّض إليه الأمرَ أي: ردّهُ إليه»(2)، بخلاف تفسيره بعلم تلك الأمور فإنّه قد لا يجري على مقتضى علمه فلا يكون مفوِّضًا، ويدلّ على أنّ معنى التّفويض ليس هو عينُ العلم بما ذَكر قوله بعد ذلك: والباعثُ عليه إنّما هو اعتقاد أنّه … الخ، فجعل الاِعتقاد باعِثًا على التّفويض لا عينَه، والله أعلم فليُحرّر.
قوله فأُسُّ التّفويض والباعثُ عليه … الخ: الظّاهر أنّ بين كلاميه تدافعًا، فإنّ أوّل كلامه يقتضي أنّ التّفويض هو الاِعتقاد، وآخره يقتضي أنّه غيرُه حيث قال: والباعثُ عليه … الخ فإنّ الباعثَ على الشّيء غيرُه، والله أعلم.
(1) - اُنظر تخريج الأحاديث المذكورة فيما تقدّم، صفحات: 93، 94، 95، 96.
(2) - الجوهري: باب الضّاد، فصل الفاء: فوض.