الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦غير منقسم في ذاته، ولا معه ثانٍ في ألوهيته، وأنّه موجودٌ بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد منها نفسه، دائم بلا نهاية ينتهي إليها، حيّ قيّوم لا تأخذه سِنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء، ولا يخفى عليه شيء في ظلمات ولا ضياء، قادر بلا تكلّف ولا جهد، متكلّم بلا لسان، سميع بلا آذان، بصير بلا حدقة ولا أجفان، وأنّه إله كلّ شيء، وخالقه، ومنشئه، وموجِدُه، خلق كلَّ شيء فقدّره، واخترع الإنسان وصوّره، ويعلم ما توسوس به نفسه، وما يجلب إليه حسّه، مريد لكلّ كائن من خير وشرّ، وجميع ما يجري على العالَم من نفع وضرّ، …
--------------------
قوله غير منقسم في ذاته … الخ: أشار بذلك إلى الواحد في الذّات والواحد في العبادة، وبقي عليه الواحد في الصّفة والواحد في الفعل، وقد يُقال: الواحد في الصّفة أشار إليه بقوله: موجود بغير مشاهَدة، قديم … الخ، وإلى الواحد في الفعل بقوله: وخالِقُهُ ومُنْشِئُه … الخ.
قوله لا يعزُب: أي: لا يبعد.
قوله بلا حدقة: حدقة العين: سوادها الأعظم، والجمع حدَق وحِدَاق، وهي بفتح الدّال.
قوله فقدَّره: أي: هيّأه لما يصلح له من التّكاليف المنوطة به، أعني: فيمن يصلح لذلك.
قوله مريد لكلّ كائن … الخ: فيه إشارة إلى الردّ على المعتزلة(1)، وإلى أنّ متعلّق الإرادة أخصّ من متعلّق العِلم والقدرة، فإنّ العلم يتعلّق بالواجب والممكن الذي وُجد أو يوجد، والقدرة تتعلّق بجميع الممكنات، والإرادة لا تتعلّق إلاّ بالممكن الكائن.
(1) - المعتزلة مدرسة كلامية يتزعّمها واصل بن عطاء (ت. 131هـ) وعمر بن عُبيد (ت. 144هـ)، سُمّيا بذلك لاِعتزالهما حلقة درس الحسن البصري (ت. 110هـ) حين خالفاه في القول بأنّ =