الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٨وأسكتهم من غير كِبر، وأبلغهم من غير تطويل، آكلاً ما وجد، ولا يسأل عمّا فقد، يلبس ما تيسّر له، ويركب ما أمكنه، ويردف خلفه، يجيب دعوة العبد والأمة، ويجالس أهل الضّعف والمسكنة، لا يحتقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لملكه، قد جمع الله له السّيرة الفاضلة، والسّياسة الكاملة، والأخلاق التّامّة، هاشميّ النّسب، مبعوث من العرب، مولده بمكّة، ومبعثه ببكّة، وهجرته بطيبة، وقبره بالمدينة، وملكه بالشّام، صلّى الله عليه وعلى آله مدّ الليالي والأيام.
--------------------
قوله وأبلغهم: أي في الكلام، لأنّه - عليه السلام - أوتي جوامع الكلِم، وهو أداء المعنى الكثير باللّفظ القليل.
قوله وملكه بالشّام: إنّما كان ملكه بالشّام مع أنّه لم يُفتح إلاّ في زمن عمر - رضي الله عنه -، لأنّه - صلى الله عليه وسلم - تصرّف فيه قبل فتحه، ومن جملة ذلك ما قطعه لتميم الدّاري فيما أظنّ، وهي بركة عظيمة بأعمال القدس معروفة عندهم إلى الآن تُسمّى: "بركة التّميميّين"(1).
(1) - في السّنة التّاسعة للبعثة وفد على النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عشرة نفر داريّين من أعمال القدس، منهم أبو رقيّة تميم بن أوس بن خارجة بن سود الدّراي الفلسطيني فأسلموا، فقال تميم للرّسول - صلى الله عليه وسلم -: إنّ الله مظهرك على الأرض كلّها، فهب لي قريتي من بيت لحم، فقال له: هي لك، … وليس لك أن تبيع، وكتب له ولوفده هبته: بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم وما فيهنّ إلى الأبد، وأشهد على ذلك، ثمّ قال: اِنصرفوا حتّى تسمعوا أنّي هاجرت، ولمّا هاجر قدموا إليه وجدّدوا معه الكتاب وأشهدوا عليه، ولمّا فتح عمر القدسَ أنفذ لهم الهبة بواسطة أبي عبيدة بن الجرّاح. شمس الدّين الذّهبي: سير أعلام النّبلاء، 2/ 422، ترجمة: 86.