الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٦وقيل عن بعضهم: إنّه لابدّ أن يعلم أنّ الجنّة قصور وأنهار وبساتين، لأنّهم قالوا: لا يعرف الأشياء مَن لا يعرف حقائقها، وليس على العبد أن يعلم أنّ الجنّة موجودة اليوم، وإنّما عليه أن يعتقد وُجودها ودوامها، قال الله سبحانه: ﴿أُكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرّعد: 35]، وقال في أصحابها: ﴿إِخْوَانٌ عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيمَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجر: 47]، …
--------------------
فالظّاهر أنّه لابدّ من فنائهما ولو طرفة عين، ليتحقّق قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88].
قوله ودوامها: يعني: خلافًا لجهم بن صفوان -قاتله الله-(1) فإنّه يقول: لابدّ من فناء الجنّة والنّار وأهلهما لينفرد اللهُ بالبقاء كما انفرد بالقِدم، مع أنّ الله يقول: ﴿أُكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البيّنة: 6]، إلى غير ذلك من النّصوص، فصار كما قال في "الموجز": يتّق الإبرة ويبلع السِّكَّة(2).
قوله ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾: جمع سرير.
قوله ﴿نَصَبٌ﴾: أي: تعب.
(1) - جهم بن صفوان السّمرقندي، أبو محرز رأس الجهمية، قال فيه الذّهبي: أسّ الضّلالة الضّال المبتدع، تتلمذ على الجعد بن درهم، من علماء الكلام الأوّلين، اِنضمّ إلى الحارث بن سريج أثناء فتن خراسان في أواخر ملك بني أميّة، فقبضه نصر بن سيّار وأمر بقتله، فقُتل على يد سالم بن أحوز سنة 128هـ؛ والجهمية مذهب كلامي متفرّع عن المجبرة المتفرّعة عن المرجئة، وقد تقدّم تعريف هذه الفرق بصفحة: 37. الزّركلي: الأعلام، 2/ 138؛ د. إسماعيل العربي: معجم الفرق، 122.
(2) - أبو عمّار عبد الكافي، 2/ 130، والسّكّة قطعة الحديد التي يُحرث بها، أي أنّه اتّقى شيئًا فوقع في ما هو أعظم منه.